بقلم المستشار الدكتور/ حسن بن ثابت
المحاماة مهنة سامية ارتبطت تاريخيًا بحماية الحقوق وصون الحريات، وهي رسالة أخلاقية قائمة على النزاهة والإخلاص في الدفاع عن مصالح الموكلين. غير أن الممارسة الواقعية تكشف أحيانًا عن إخلالات أو تجاوزات، سواء بفعل الإهمال أو بسوء النية، تترك أثرًا مباشرًا على الوضعية القانونية للموكل وتضعف ثقته في منظومة العدالة.
أولى هذه المظاهر تتمثل في التأخر في مباشرة الإجراءات القانونية، مما قد يؤدي إلى سقوط آجال الطعن وضياع فرص قانونية مهمة، في مخالفة للمادة 22 من قانون المسطرة المدنية التي تحدد آجالًا مضبوطة لكل إجراء. ويوازي ذلك الإهمال في متابعة مساطر التبليغ أو عدم التأكد من سلامتها، وهو تقصير قد يوقف الدعوى أو يؤدي إلى إسقاطها، على خلاف ما تفرضه المادة 46 من القانون ذاته.
كما يشكل إغفال إحاطة الموكل علمًا بمستجدات ملفه أو القرارات الصادرة فيه إخلالًا بحق أصيل يكفله نص المادة 33 من قانون المحاماة، حيث يحرم الموكل من اتخاذ قراراته بناءً على معرفة دقيقة بتطورات قضيته. وتبرز كذلك حالات التقصير في تقديم الدفوع الجوهرية أو الاعتماد على مذكرات شكلية، مما يضعف موقف الموكل أمام القضاء، رغم أن المادة 125 من قانون المسطرة المدنية تلزم بتقديم الدفوع الجوهرية في وقتها ضمانًا لحق الدفاع.
ويظل التغيب غير المبرر عن الجلسات مؤشرًا على ضعف الممارسة، بالنظر إلى أن حضور المحامي أو من ينوب عنه يعد ضمانة أساسية لحقوق الأطراف. أما الإخلال بواجب السرية المهنية فيعتبر من أخطر الانتهاكات، إذ يهدم أساس الثقة بين المحامي وموكله، وهو ما حظرت المادة 5 من قانون المحاماة المساس به.
تدابير لتعزيز النزاهة المهنية
إصلاح الممارسة يتطلب إجراءات عملية، منها:
تشديد الرقابة التأديبية داخل الهيئات وتوضيح العقوبات.
تطوير مساطر الشكاوى والتظلمات وربطها بآجال محددة.
إلزامية توثيق كل إجراء أو مراسلة تتعلق بالملف القضائي.
جعل التكوين المستمر مرتبطًا بالأخلاقيات المهنية إلى جانب الكفاءة القانونية.
تكريس الشفافية وتعزيز التواصل المنتظم مع الموكل.
المحصلة، أن المحاماة عهد أخلاقي وقانوني قوامه الأمانة والكفاءة والالتزام، وأي انحراف عن هذه القيم، حتى في صورة تقصير، يضر بمصلحة الموكل ويضعف الثقة في المهنة وفي العدالة ذاتها. فالقانون منظومة قيم وممارسات رفيعة، والمحامي الحق هو من يجعل حضوره في الملف إضافة نوعية تسهم في بناء جسر ثقة متين بين المواطن والقضاء.











