بقلم المستشار الدكتور/ حسن بن ثابت
رئيس مركز الشرق الأوسط وشمال إفريقيا لتسوية المنازعات

في يونيو 2022، حقق المغرب خطوة تشريعية مهمة بإصدار القانون رقم 95-17 المتعلق بالتحكيم والوساطة الاتفاقية، الذي جاء ليعيد تنظيم منظومة تسوية المنازعات خارج القضاء التقليدي. يوفر هذا القانون إطارا قانونيا مستقلا ينظم آليات التحكيم والوساطة بشكل شامل، متماشيا مع المعايير الدولية ومتطلبات التطور الاقتصادي، مما يعكس توجه المغرب نحو بناء بيئة قانونية حديثة ومرنة تسهل مناخ الاستثمار وتضمن سرعة الفصل في النزاعات.
يعد التحكيم هيئة شبه قضائية، تتمتع بصلاحيات مستقلة وحيادية للفصل في النزاعات بين الأطراف، عبر إجراءات مرنة وسريعة مقارنة بالقضاء العادي. هذا الدور شبه القضائي يمنح التحكيم مكانة قانونية رفيعة، ويجعله أداة فعالة لتخفيف العبء عن المحاكم، ويضمن للمتقاضين آلية بديلة تحترم الحقوق وتحقق العدالة بأقل تكاليف وأسرع زمن ممكن.
تاريخيا، عرف المغرب تطورا تدريجيا في تنظيم التحكيم والوساطة، بدءا من الظهير الشريف الصادر سنة 1913 الذي تناول الموضوع بشكل تقليدي ومحدود. ثم شهد قانون المسطرة المدنية لسنة 1974 إدراج فصول مختصة بالتحكيم، مع تعديلات في 2007، إلا أن هذا التنظيم ظل جزئيا ولا يواكب تعقيدات النزاعات الحديثة، خصوصا ذات البعد الدولي. لذلك، جاء القانون الجديد 95-17 كخطوة متقدمة لتعزيز دور التحكيم والوساطة في نظام العدالة المغربية، وخلق إطار مستقل يعكس تطور التشريعات الدولية ويواكب متطلبات العصر.
يتميز القانون الجديد بالتفريق الواضح بين التحكيم الداخلي، الذي يعالج النزاعات ذات الطابع المحلي، والتحكيم الدولي المرتبط بنزاعات تشمل طرفا أجنبيا أو علاقة دولية. هذا التمييز يسمح بتكييف الإجراءات بما يتناسب مع خصوصيات كل نوع من النزاعات، ويعمل على تسريع الفصل وتقليل التعقيدات، مما يعزز ثقة المستثمرين ويدعم الاقتصاد الوطني.
أدخل القانون آليات حديثة للتحكيم الالكتروني، حيث أصبح بالإمكان توقيع اتفاقات التحكيم عبر البريد الالكتروني، وعقد جلسات التحكيم عن بعد، وإيداع المستندات والأحكام إلكترونيا. تعكس هذه الآليات مواكبة المغرب للتحولات الرقمية العالمية، وتساهم في تقليص الوقت والتكاليف، وتحد من المماطلات التي كانت تؤخر إنجاز القضايا.
بناء على المادة 2 من القانون رقم 95-17، تُستثنى من الخضوع للتحكيم المنازعات التي تمس النظام العام والتي لا يجوز فيها الصلح. وتشمل هذه المسائل: القضايا المتعلقة بالحالة الشخصية مثل الزواج، الطلاق، التطليق، الخلع، النسب، البنوة، النفقة، الحضانة، والولاية، مع استثناء يتيح التحكيم في الجوانب المالية الناجمة عن العلاقة الزوجية التي يمكن تقديرها ماديًا مثل النفقة. كما يمنع القانون التحكيم في المسائل الجنائية، حيث تظل من اختصاص القضاء الجنائي ولا تجوز فيها المصالحة، إضافة إلى المنازعات المتعلقة بالجنسية، سواء في اكتسابها أو فقدانها. ويشمل الاستثناء أيضًا المسائل المتعلقة بالأهلية القانونية، التي لا يمكن تعديلها أو تقييدها أو سحبها عبر التحكيم، نظرًا لارتباطها بالنظام العام وخضوعها لمراقبة القضاء. كذلك، تستثنى القضايا التي يمنع فيها القانون الصلح صراحة، كحقوق الضمان الاجتماعي وبعض منازعات الشغل التي تمس قواعد الحماية الدنيا للعامل.
إضافة إلى حظر المنازعات المتعلقة بمصادرة الأملاك أو نزع الملكية لأجل المنفعة العامة، إذ تخضع هذه لقواعد وإجراءات إدارية وقضائية خاصة لا تقبل التسوية عبر التحكيم. يعكس هذا الإطار التنظيمي دقة التشريع المغربي في حماية النظام العام وضمان عدم تجاوز التحكيم للحدود التي قد تضر بالمصلحة العامة أو الحقوق الأساسية، مع الحفاظ على مرونة وفعالية التحكيم في المجالات المسموح بها.
أثبتت تجارب المغرب في تسوية النزاعات الاستثمارية أمام مركز تسوية منازعات الاستثمار الدولي قدرة المملكة على توفير بيئة قانونية مستقرة ومتوازنة تحمي حقوق المستثمرين وتحفظ مصالح الدولة. وقد عزز القانون الجديد هذه البيئة، مما يزيد من ثقة المستثمرين ويجعل المغرب وجهة مفضلة للاستثمار الأجنبي المباشر.
من خلال هذا التشريع، يتجه المغرب نحو تعزيز العدالة البديلة عبر إطار قانوني متطور يعكس مزيجا متوازنا من الحداثة والالتزام بالمبادئ القانونية، ويوفر آليات تسوية سريعة وفعالة للنزاعات، تدعم التنمية الاقتصادية والاجتماعية وترسخ مكانة المغرب كوجهة رائدة للاستثمار على المستويين الإقليمي والدولي.
دعائم تطوير منظومة التحكيم والوساطة في المغرب
1. تعزيز التوعية القانونية بين المهتمين من محامين ورجال أعمال ومواطنين للاستفادة من التحكيم والوساطة كبدائل فعالة لتسوية النزاعات.
2. دعم إنشاء مراكز تحكيم محلية متخصصة ومجهزة ببنية تحتية تكنولوجية حديثة لضمان سرعة وجودة الفصل في المنازعات.
3. تأهيل المحكمين والوسطاء وفق معايير دولية لضمان نزاهة واحترافية في إدارة النزاعات.
4. توسيع استخدام التحكيم الالكتروني في كافة مراحل العملية التحكيمية لتقليل التكاليف وزيادة الفاعلية.
5. تعزيز التعاون الدولي مع مؤسسات تحكيم عالمية لتبادل الخبرات وضمان توافق التشريعات الوطنية مع المعايير الدولية.
6. مراجعة وتحديث التشريعات بشكل دوري لمواكبة التطورات القانونية الدولية وأفضل الممارسات في مجال التحكيم والوساطة.
يمثل قانون 95-17 نقلة نوعية في بناء منظومة تحكيم متطورة بالمغرب تجمع بين الحداثة واحترام المبادئ القانونية الراسخة. إن نجاح هذا القانون لن يتحقق إلا بتضافر جهود جميع الأطراف المعنية، لضمان بيئة تحكيمية شفافة وعادلة، تدعم الاستقرار الاقتصادي وتعزز ثقة المستثمرين داخليا وخارجيا.










