السنغال بين فخ الجزائر… وذاكرة مشتركة مع المغرب لم تستحضر

ادارة النشر20 مارس 2026آخر تحديث :
السنغال بين فخ الجزائر… وذاكرة مشتركة مع المغرب لم تستحضر
إدريس طيطي /مجرد راي
ليست كل الانتصارات تقاس بعدد الأهداف، ولا كل الألقاب تحسم فوق المستطيل الأخضر فقط. أحيانا، يكون الانتصار الحقيقي هو إنقاذ روح اللعبة نفسها من الانهيار. وهذا بالضبط ما حدث في قضية كأس إفريقيا 2025، حيث لم يكن المغرب فقط طرفا في نزاع كروي، بل كان، من حيث يدري أو لا يدري، حارسا لهيبة المنافسة الإفريقية.
منذ القرار الذي أصدره الاتحاد الإفريقي لكرة القدم باعتبار منتخب السنغال خاسرا، انطلقت موجة من الجدل والتأويلات، وارتفعت أصوات تتحدث عن إمكانية قلب الحكم أمام محكمة التحكيم الرياضي الطاس. غير أن القراءة القانونية الدقيقة، كما أوضحها المحلل السياسي والخبير في العلاقات الدولية سمير بنيس، تكشف أن الأمر أبعد ما يكون عن منطقة الشك.
المادة 82 من لوائح الكاف لم تترك بابا للاجتهاد، بل أغلقت كل منافذ التأويل. حين يغادر فريق أرضية الملعب دون إذن الحكم، فهو خاسر بحكم القانون، لا بحكم التقدير. هنا لا نتحدث عن سلطة تقديرية، بل عن قاعدة آمرة. وبالتالي فإن ما أقدم عليه المنتخب السنغالي، بطلب من مدربه، لم يكن مجرد احتجاج، بل سلوك يضرب في عمق القوانين المنظمة للعبة.
ولنكن واضحين: أخطر ما في هذه الواقعة ليس نتيجتها، بل سابقتها. لأن تمرير مثل هذا السلوك دون عقوبة صارمة، كان سيؤسس لثقافة خطيرة في الملاعب الإفريقية، ثقافة لي الذراع والانسحاب التكتيكي كلما لم ترض القرارات طرفا ما. حينها لن نكون أمام كرة قدم، بل أمام فوضى مقننة.
من هذه الزاوية، يمكن القول إن المغرب لم يفز فقط بالكأس، بل ساهم في إنقاذ كرة القدم الإفريقية من منزلق خطير. لقد كان القرار بمثابة رسالة واضحة: القانون فوق الجميع، واللعبة أكبر من أي انفعال أو حسابات ضيقة.
أما الحديث عن محكمة الطاس، فيجب أن يفهم في إطاره الصحيح. فهذه الهيئة لا تعيد كتابة القوانين، بل تراقب مدى احترامها. وبما أن النص القانوني واضح، وتطبيقه في هذه الحالة كان مطابقا للوقائع، فإن فرص قلب القرار تبدو واقعيا شبه منعدمة.
وفي خضم هذا النقاش، تبرز دعوة صادقة إلى الأشقاء في السينغال: الطعن حق مشروع، لكن الأهم هو قراءة المشهد بعقل بارد. ما حدث لم يكن مؤامرة، بل نتيجة مباشرة لقرار داخل الملعب، قرار لم يكن موفقا، وقد يدفع ثمنه جيل كامل من اللاعبين.
لكن، وبكل وضوح، لا يمكن قراءة هذا الجدل بمعزل عن السياق الإقليمي. وهنا يجب تسمية الأمور كما هي: الجزائر حاضرة بقوة في خلفية هذا التصعيد، عبر خطاب إعلامي ممنهج يسعى إلى تضخيم الأزمة وتحويلها من قضية قانونية واضحة إلى صراع مفتوح.
وهنا نقولها بصراحة: السنغال تعرفك يا جزائر. تعرف هذا الأسلوب القائم على النفخ في الخلافات، وعلى تحويل كل حدث إلى فرصة لبث الشكوك وزرع التوتر بين الأشقاء. ليس هذا جديدا، بل هو امتداد لنهج قائم منذ سنوات، يقوم على خلق الاصطفافات بدل بناء التوافقات.
اليوم، يتم تسخير منصات إعلامية وحسابات رقمية لتوجيه النقاش نحو التصعيد، في وقت كان فيه المغرب يواجه تحديات الطقس وفيضانات وأمطار متواصلة. طيلة فترة الكان ومع ذلك لم تتوقف حملات التشويش، وكأن الهدف ليس الدفاع عن مبدأ، بل صناعة أزمة.
ومن باب النصيحة الصادقة، نقول للأشقاء في السنغال: انتبهوا. ليس كل من يدفعكم نحو التصعيد يريد مصلحتكم. وليس كل من يرفع شعار الدعم صادقا. هناك من يعيش على الأزمات، ويتقوى بالفتن، ويرى في كل توتر فرصة.
الدول تقاس بحكمة قراراتها، لا بانفعال لحظاتها. والرهان اليوم ليس في كسب جدل إعلامي عابر، بل في الحفاظ على صورة دولة، واستقرار منتخب، ومستقبل جيل كامل.
إن إفريقيا اليوم أمام مفترق طرق: إما ترسيخ دولة القانون داخل الملاعب، أو فتح الباب أمام سلوكيات تهدد مصداقية المنافسات. والمغرب، في هذه اللحظة، لم يكن خصما لأحد، بل كان شاهدا على ضرورة حماية اللعبة.
لذا أقول ، قد نختلف حول مباراة أو لقطة أو ركلة جزاء. لكن حين يتحدث القانون بوضوح، فلا مجال إلا للإنصات. لأن هيبة كرة القدم، كما هيبة القوانين، لا تبنى بالعواطف بل بالصرامة
اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة