السمسرة تحت المجهر: معركة العدالة في سبيل استعادة الثقة والكرامة.

ادارة النشر27 يوليو 2025آخر تحديث :
السمسرة تحت المجهر: معركة العدالة في سبيل استعادة الثقة والكرامة.

بقلم المستشار الدكتور/ حسن بن ثابت

لم يعد الحديث عن وجود بعض السماسرة في محيط العدالة أمراً غريباً أو سراً مكتملاً. الجميع يدرك أن مثل هذه الممارسات، وإن كانت محدودة، تجد طريقها أحياناً في الهامش، تحاول التسلل إلى مسارات التقاضي عبر استغلال الثقة أو الجهل أو ضعف الإمكانات.

والسمسرة القضائية – في جوهرها – هي تدخل غير قانوني يقوم به أفراد لا صفة رسمية لهم، يعرضون “خدماتهم” على المتقاضين مقابل مبالغ مالية، زاعمين أن لهم نفوذاً أو علاقات داخل الجهاز القضائي. وقد يتوهم البعض أن هذه الطرق المختصرة قد تجلب لهم الإنصاف، بينما في الحقيقة تفتح أبواب التلاعب والابتزاز، وتهدد مصداقية القضاء برمّته.

وهذا واقع مؤسف، لكنه لا يعبر عن الجوهر الحقيقي للمرفق القضائي، ولا عن معظم العاملين فيه الذين يزاولون أعمالهم بأمانة وضمير.

ما يبعث على الاطمئنان هو أن هذه الظواهر لم تعد تمر مرور الكرام، بل أصبحت موضع اهتمام رسمي ومتابعة دقيقة. السلطة القضائية، وبكل مكوناتها، لا تتغاضى عن هذه الانزلاقات الفردية، بل تقابلها بحزم ومسؤولية، حماية لكرامة المتقاضين وصوناً لهيبة المؤسسة. لقد شهدنا في الآونة الأخيرة تحركات ملموسة ومتابعات قانونية شملت بعض الوسطاء غير النظاميين الذين تم ضبطهم في حالة تلبس، أو تم رصد أدوارهم المشبوهة داخل أروقة المحاكم أو بالقرب منها.

وما يؤكد متانة هذا المسار هو أن هذه المتابعات لا تمس شرف وسمعة عموم العاملين في سلك القضاء والإدارة القضائية، بل على العكس تماماً. الغالبية الساحقة من القضاة وكتاب الضبط والموظفين هم أشخاص مشهود لهم بالكفاءة والاستقامة والانضباط، يعملون في صمت وتفانٍ لخدمة العدالة والمتقاضين. هؤلاء هم عماد النظام القضائي، ومن واجبنا جميعاً أن نساندهم ونقدر جهودهم بدل تعميم ظالم قد يسيء إليهم.

إن استمرار هذه المتابعات وفتح باب المساءلة ضد كل من تسول له نفسه الاتجار بمشاعر الناس أو التلاعب بحقوقهم، هو ما يعيد الثقة إلى القضاء، ويؤكد للجميع أن الدولة ماضية في تخليق المرفق العمومي، وفي مقدمتها المرفق القضائي، الذي يعتبر الركيزة الأولى للطمأنينة الاجتماعية.
فالعدالة ليست مجرد أحكام تصدر في قاعات المحاكم، بل منظومة متكاملة من القيم والمبادئ التي تنبع من الضمير المهني والالتزام بالقانون.

وليس من المستغرب أن نذكر أن التحديات التي تواجه المرفق القضائي ليست محصورة في بلدنا فقط، بل هي ظواهر متكررة في العديد من الأنظمة القضائية حول العالم. الفرق الجوهري يكمن في كيفية تعامل المؤسسات مع هذه التحديات، واليقظة والصرامة في اتخاذ الإجراءات التي تحمي المؤسسة وتحافظ على مصداقيتها.

ومن هذا المنطلق، يجب أن يكون المواطن على ثقة بأن القضاة والموظفين في المحاكم، على اختلاف درجاتهم ومسؤولياتهم، لا يدخرون جهداً في أداء واجبهم وسط ظروف صعبة أحياناً، وبإمكانات محدودة، مع حرصهم الدائم على تحقيق العدالة وإرساء القانون. وهم بالفعل يستحقون الدعم والتقدير، لا التجريح أو التشكيك العام.

وفي الوقت نفسه، فإن المواطن يلعب دوراً مهماً في هذه المعادلة. فلا يمكن لأي إصلاح أن يكتمل دون وعي مجتمعي راسخ يرفض كل أشكال السمسرة والوساطة غير القانونية، ويعزز ثقافة احترام القانون، واللجوء إلى المساطر القانونية النظامية دون اللجوء إلى طرق مختصرة قد تضر بمصالحه وتضر بالعدالة نفسها.

إن بناء نظام قضائي قوي وشفاف، قادر على كسب ثقة المتقاضين، هو عمل مستمر يتطلب جهداً جماعياً وتعاوناً بين المؤسسات والمجتمع. والنتائج التي نراها اليوم في مجال المتابعة والمحاسبة هي مؤشر إيجابي على رغبة الدولة في تكريس هذه القيم، وتأكيد أن القضاء ليس ميداناً للسمسرة أو التلاعب، بل هو صمام أمان المجتمع ومصدر قوته واستقراره.

نؤكد أن العدالة تتحرك وتتنفس وتصلح نفسها من الداخل، بمؤسساتها وقوانينها وضمائر رجالها ونسائها. وهي رسالة واضحة لكل متابع نزيه: القضاء لن يكون مرتعاً للفساد، ولا سوقاً للسماسرة. فليطمئن المواطن، القضاء في بلده لا ينام، والحق له طريقه الذي لا يغلق.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة