قراءة في كلمة فاطمة الزهراء المنصوري: رسائل سياسية تتجاوز التصريح الحكومي وتكشف توجهات المرحلة.

ادارة النشرمنذ ساعتينآخر تحديث :
قراءة في كلمة فاطمة الزهراء المنصوري: رسائل سياسية تتجاوز التصريح الحكومي وتكشف توجهات المرحلة.
بقلم: إدريس طيطي – مجرد رأي
ونحن أمام أولى محطات حكومة فاطمة الزهراء المنصوري، لا يبدو أن قراءة كلمتها أمام مجلس المستشارين ينبغي أن تتوقف عند الأرقام والوعود والتعهدات، بقدر ما تستدعي التوقف عند الرسائل السياسية التي حرصت على تمريرها، بهدوء أحيانا، وبوضوح أحيانا أخرى، دون أن تدخل في مواجهة مباشرة مع كل ما أثير حول طبيعة الحكومة الجديدة ومرجعيات مكوناتها.
لقد جاءت الكلمة لتجيب، في ظاهرها، عن ملاحظات الفرق البرلمانية بشأن التصريح الحكومي، لكنها حملت في عمقها محاولة لإعادة رسم صورة الحكومة وتحديد هويتها السياسية، والدفاع عن شرعية اختياراتها، وتوجيه رسائل إلى الأغلبية والمعارضة، بل وإلى الرأي العام الذي لم يعد يكتفي بسماع الوعود، وإنما ينتظر أن يرى أثرها في حياته اليومية.
أول رسالة تستحق التوقف عندها تتعلق بمكانة المرأة. فحين تحدثت المنصوري عن وصول امرأة إلى رئاسة الحكومة، لم تقدم اللحظة باعتبارها مكسبا شخصيا أو انتصارا حزبيا، بل ربطتها بمسار طويل من نضالات النساء المغربيات، قبل أن تستدرك بأن حضور النساء داخل المؤسسات ما زال دون طموح دستور 2011 الذي فتح أفق المناصفة. وهنا أرادت أن تقول إن وصول المرأة إلى قمة السلطة التنفيذية لا ينبغي أن يتحول إلى صورة رمزية للاستهلاك السياسي، بل يجب أن يكون مدخلا لتوسيع مشاركتها في صنع القرار والاستفادة من قدراتها.
غير أن الرسالة الأهم في كلمتها، في تقديري، هي دفاعها عن الصفة السياسية لحكومتها. فقد بدا واضحا أنها لم تتقبل اختزال الحكومة الجديدة في مجرد تعديل حكومي أو استمرار آلي للمرحلة السابقة، كما رفضت ضمنيا التصور الذي قد يختزلها في تحالف يفتقر إلى هوية سياسية واضحة. لذلك استحضرت مسارات النضال داخل الأحزاب، وتاريخ مرجعياتها، والتجارب التي راكمتها، في محاولة لتأكيد أن الوزراء ليسوا مجرد أسماء جرى جمعها لتدبير القطاعات، وإنما شخصيات جاءت من تجارب حزبية ونقابية وسياسية مختلفة.
ولم يكن استحضارها لأحزاب الاستقلال والتقدم والاشتراكية والاتحاد الاشتراكي مجرد استعراض لتاريخها، بل محاولة للرد على سؤال المرجعية السياسية، والتأكيد أن اختلاف الخلفيات لا يلغي إمكان الالتقاء حول قيم مشتركة، في مقدمتها الديمقراطية والحوار والإنصات للمواطنين. وبذلك وجهت رسالة واضحة مفادها أن حزب الأصالة والمعاصرة، الذي تقود منه الحكومة، لا يحتكر وحده صفة الفاعل السياسي، وأن بقية مكونات الأغلبية ليست مجرد أرقام لتأمين الأغلبية البرلمانية، بل أحزاب لها تاريخها ومرجعياتها وقواعدها الاجتماعية.
وهنا يبرز سؤال يستحق النقاش: هل يكفي استحضار التاريخ النضالي للأحزاب لإثبات أن الحكومة تستعيد بالفعل روح السياسة؟ أم أن الاختبار الحقيقي يكمن في قدرتها على تحويل تلك المرجعيات إلى قرارات ملموسة، وإلى علاقة جديدة مع المواطن الذي بات يشكك في جدوى المؤسسات المنتخبة؟
فالمنصوري نفسها أقرت بأن نسبة المشاركة الانتخابية التي بلغت 38 في المائة تعكس أزمة ثقة في المؤسسات، وربطت استعادة هذه الثقة بأخلاقيات الشأن العام ومحاربة تضارب المصالح. وهذه نقطة مركزية في خطابها، لأنها تنقل النقاش من مجرد الدفاع عن تشكيلة الحكومة إلى الاعتراف بأن الخلل لا يتعلق فقط بما تقوله الأحزاب، بل أيضا بما ينتظره المواطن من سلوكها وممارستها.
وفي هذا السياق، حرصت على التمييز بين محاربة الشبهات وبين رفض حملات التشويش والإشاعات. وهي رسالة مزدوجة: لا تسامح مع ما قد يمس تدبير المال العام، ولا قبول بتحويل الاتهامات غير المثبتة إلى أحكام جاهزة. لكن هذه المعادلة لن تستقيم بمجرد إعلان المواقف، بل تحتاج إلى شفافية في تدبير الملفات، وإلى وضوح في المعايير، وإلى ترك المؤسسات المختصة تقوم بدورها بعيدا عن الانتقائية أو التبرير السياسي.
ومن الرسائل التي لا تقل أهمية، دفاعها عن حكومة تقول إنها مختلفة ديمقراطيا وحواريا، وتريد القطع مع بعض ممارسات الماضي، لا بالضرورة مع كل ما سبقها من سياسات وبرامج. فقد أكدت استمرار الأوراش الملكية المهيكلة، وفي مقدمتها الحماية الاجتماعية، مع التشديد على أن الاستمرارية المؤسساتية لا تتعارض مع تغيير أساليب التدبير وتصحيح الاختلالات. كما تحدثت عن الحوار الاجتماعي، وعن ضرورة الإنصات للنقابات والمواطنين، دون تقديم وعود بالاستجابة لجميع المطالب.
وهذا التفريق مهم، لأنه يكشف أن المنصوري تحاول تقديم نفسها باعتبارها رئيسة حكومة سياسية لا تبيع الأوهام، ولا تدعي امتلاك عصا سحرية لحل جميع المشكلات. غير أن الاعتراف بصعوبة الملفات لا يعفي الحكومة من مسؤولية تقديم الحصيلة، كما أن الحديث عن الحوار لا تكون له قيمة فعلية إذا لم يفض إلى حلول ملموسة.
أما حين تطرقت إلى العالم القروي، فقد بدت أكثر وضوحا في الاعتراف بأن السياسات السابقة لم تحقق النتائج المنتظرة، خاصة في ما يتعلق بتقليص الفوارق وتحسين ظروف العيش والسكن. ودافعت عن نقل تدبير التنمية المجالية إلى منطق الالتقائية بين القطاعات، وربط التنفيذ بالولاة والعمال والجماعات والجهات، حتى لا يبقى القرار محصورا في المركز. وهي إشارة إلى أن الحكومة تريد تغيير طريقة التدبير، لا الاكتفاء بإعادة توزيع الاختصاصات بين الوزارات.
وفي المقابل، فإن طموحاتها الاقتصادية والاجتماعية، من رفع النمو إلى 5 في المائة، وخفض البطالة إلى 7 في المائة، وإحداث مليون منصب شغل، ورفع نسبة تشغيل النساء إلى 21.2 في المائة في أفق 2031، تضع الحكومة أمام امتحان ثقيل. فالأرقام المعلنة تعكس سقفا مرتفعا من التطلعات، لكنها تظل أهدافا لا نتائج محققة. والفارق بين الاثنين هو ما سيحدد لاحقا مدى صدقية الخطاب الحكومي وقدرته على استعادة ثقة المواطنين.
ومن هنا، لا يمكن قراءة كلمة المنصوري باعتبارها مجرد جواب تقني عن ملاحظات المستشارين. لقد كانت محاولة للدفاع عن هوية الحكومة، وإثبات أنها ليست بلا مرجعية أو مشروع سياسي، وأن تعدد أحزابها لا يعني غياب الانسجام بينها. كما حملت رسالة إلى المعارضة بأن الحكومة مستعدة للاختلاف والنقاش، لكنها ترفض تحويل السياسة إلى خطاب كراهية أو تبادل للاتهامات التي تزيد من إحباط الشباب وتضعف الثقة في المؤسسات.
ومع ذلك، فإن السؤال الذي ينبغي ألا يغيب عنا هو: هل نحن أمام عودة فعلية للسياسة، أم أمام خطاب سياسي يحاول استعادة ثقة فقدتها الممارسة؟ إن الفرق بين الأمرين لا تحسمه قوة الكلمة، ولا تاريخ الأحزاب، ولا عدد الوعود، بل تحسمه الجرأة على المحاسبة، والقدرة على تصحيح الأخطاء، ومدى انعكاس القرارات على القدرة الشرائية وفرص الشغل والخدمات العمومية والعدالة المجالية.
لقد اختارت فاطمة الزهراء المنصوري أن تمد يدها إلى شركائها، وأن تدافع عن مرجعياتهم، وأن تؤكد أن حكومتها حكومة سياسية، دون أن تغرق في تفاصيل كل خلاف أو تدخل في مواجهة مع كل منتقد. وهي بذلك تحاول الجمع بين الدفاع عن اختياراتها والانفتاح على الحوار، وبين تأكيد الاستمرارية والإعلان عن القطيعة مع بعض الممارسات.
لكن السياسة، في نهاية المطاف، ليست فقط القدرة على توجيه الرسائل، وإنما القدرة على تحويلها إلى التزامات قابلة للقياس والمحاسبة. وهنا بالضبط يبدأ امتحان هذه الحكومة: أن تثبت أن اختلافها ليس مجرد عنوان، وأن مرجعيات أحزابها ليست مجرد تاريخ يستحضر عند الحاجة، وأن الحوار ليس مجرد لغة في البرلمان، بل ممارسة يومية يشعر المواطن بنتائجها.
#فاطمة_الزهراء_المنصوري #رئيسة_الحكومة #الحكومة_المغربية #قراءة_سياسية #رسائل_سياسية #التصريح_الحكومي #الأغلبية_الحكومية #المعارضة_البرلمانية #المشهد_السياسي_المغربي #الديمقراطية #الحوار_السياسي #الثقة_في_المؤسسات #المرأة_المغربية #البرلمان_المغربي #إدريس_طيطي
اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة