زيارة فيليبي السادس إلى سبتة ومليلية.. الإعلام الإسباني يضخّم الحدث ويتناقض، والرباط لم تقل كلمتها بعد: مدريد، انتظري!

ادارة النشرمنذ 3 ساعاتآخر تحديث :
زيارة فيليبي السادس إلى سبتة ومليلية.. الإعلام الإسباني يضخّم الحدث ويتناقض، والرباط لم تقل كلمتها بعد: مدريد، انتظري!
بقلم: إدريس طيطي – مجرد رأي –
لم تمر زيارة الملك الإسباني فيليبي السادس إلى سبتة ومليلية، يوم الثلاثاء 13 أكتوبر، في بعض المنابر الإسبانية باعتبارها مجرد نشاط ملكي عادي، بل أحاطتها قراءات سياسية ربطتها بتطورات الهجرة، وقدمتها في سياق استعراض السيادة وتوجيه الرسائل إلى الرباط. غير أن أكثر ما يستحق التوقف عنده ليس الاحتفاء بالزيارة، بل اللغة التي اختارها بعض الإعلام الإسباني لتفسيرها، خصوصا حين وصفها بأنها «ردة فعل» على تدفقات المهاجرين نحو المدينتين.
وهنا يبرز السؤال الذي يبدو أن أصحاب هذه القراءة لم ينتبهوا إلى دلالته: كيف تكون الزيارة «ردة فعل» إذا كانت سبتة ومليلية، وفق الخطاب الإسباني، مدينتين إسبانيتين لا جدال في سيادة مدريد عليهما؟ إذا كان الأمر يتعلق بممارسة عادية للسيادة، فما الذي استدعى ربط الزيارة بتطورات الهجرة؟ ولماذا تُقدَّم في صورة رد سياسي على المغرب، بدل الاكتفاء بطابعها الملكي والبروتوكولي؟
إن استعمال عبارة «ردة فعل» لا يشكل اعترافا قانونيا بمغربية المدينتين، لكنه يكشف أن بعض التغطيات لم تتعامل مع الزيارة باعتبارها حدثا منفصلا عن التوترات المحيطة بالملف، بل منحتها وظيفة سياسية تتجاوز البروتوكول. وهنا تتجلى المفارقة: خطاب يؤكد أن القضية محسومة، لكنه يتصرف إعلاميا كما لو أن هناك رسالة ينبغي توجيهها إلى المغرب، وموقفا مغربيا ينبغي ترقبه.
ولم يقف الأمر عند تأويل دوافع الزيارة، بل امتد إلى محاولة قراءة الصمت المغربي باعتباره انتصارا إسبانيا. فقد تعاملت بعض التحليلات مع غياب رد فوري من الرباط كما لو أنه دليل على نجاح الضغط أو إحراج المغرب. وهي قراءة تتجاهل أن العلاقات بين الدول لا تُدار بمنطق من يتكلم أولا، ولا تقاس نتائج التحركات الدبلوماسية بسرعة صدور التعليقات.
من قال إن المغرب ملزم بالرد وفق توقيت الإعلام الإسباني؟ فالرباط كانت منشغلة باستحقاقاتها السياسية والمؤسساتية، وبمسار تنزيل الحكومة الجديدة، إلى جانب قضاياها الاستراتيجية، وفي مقدمتها ملف الصحراء المغربية. وليس من المنطقي أن يُطلب منها تعليق أجندتها لتدخل في سجال تفرضه عناوين الصحف، أو أن يُفسر عدم التعليق الفوري باعتباره تراجعا عن موقف أو قبولا برسالة لم تعلن أصلا طبيعتها الرسمية.
والأكثر دلالة أن بعض التغطيات تجمع بين إعلان الحسم في قضية السيادة وبين الترقب لما ستفعله الرباط بعد الزيارة. فإذا كانت الرسالة قد حققت الانتصار الذي يجري الترويج له، فلماذا يستمر هذا الانشغال برد الفعل المغربي؟ إن هذا التناقض لا يثبت أن مدريد تخشى خطوة محددة، لكنه يضع علامات استفهام حول الثقة التي تحاول بعض العناوين إظهارها، وحول استعجال إعلان نتيجة سياسية لم تتضح مآلاتها بعد.
أما توقيت الزيارة ورسائلها، فكان من الأجدى أن يُستثمرا في اتجاه مختلف: فتح قنوات الحوار، ومناقشة الملفات العالقة، وتدبير الخلافات بمنطق المصالح المتبادلة، بدل تقديم الحدث في صورة استعراض للقوة. فالعلاقة المغربية الإسبانية لا تختزل في سبتة ومليلية، مهما كانت حساسية الملف بالنسبة إلى البلدين، بل تمتد إلى التعاون الأمني والتجاري والاقتصادي وتدبير الهجرة وقضايا إقليمية مشتركة.
ومن هذا المنطلق، فإن الرهان على الضغط أو إحراج المغرب ليس بالضرورة مكسبا دبلوماسيا. فإسبانيا تعرف أهمية الشراكة مع الرباط، كما يعرف المغرب طبيعة مصالحه وعلاقاته. وأي تصعيد غير محسوب قد يضيق هامش التعاون ويضر بمصالح الطرفين، فيما يظل الحوار أكثر قدرة على تدبير الخلافات من الرسائل الاستفزازية. لذلك، فإن من يتعامل مع العلاقة باعتبارها لعبة لثني الذراع يغفل أن المصالح المتشابكة لا تسمح لطرف بأن يتصرف وكأن كلفة التوتر ستقع على الطرف الآخر وحده.
وبالنسبة إلى المغرب، فإن قضايا السيادة لا تُحسم بعناوين الصحف، كما أن المواقف الوطنية لا تحتاج إلى ردود انفعالية متلاحقة كي تثبت وجودها. وإذا كانت بعض المنابر الإسبانية تنتظر ردة فعل مغربية محددة، فإنها لا تملك حق تحديد شكلها أو توقيتها، ولا يمكنها تحويل توقعاتها إلى وقائع. فالرباط هي التي تقدر خياراتها وفق حساباتها ومصالحها، وليس وفق السيناريوهات التي يرسمها الإعلام.
لقد أراد بعض الإعلام الإسباني تقديم زيارة فيليبي السادس باعتبارها رسالة حسم، لكنه ربطها في الوقت نفسه بردة فعل على الهجرة، ثم حاول قراءة الصمت المغربي باعتباره انتصارا. وبين هذه العناصر تتضح المفارقة الأساسية: حين تتحول الزيارة إلى أداة للرسائل السياسية، يصبح من المشروع التساؤل عن أهدافها، وحين يُستعجل إعلان الانتصار قبل اتضاح النتائج، يصبح الاحتفاء الإعلامي أقرب إلى الرغبة في فرض رواية منه إلى تقييم موضوعي للمآلات.
إن المغرب ليس مطالبا بكشف أوراقه، وإسبانيا ليست بمنأى عن تبعات خياراتها. فالسياسة ليست استعراض عضلات ولا سباقا في إطلاق التصريحات، بل تقدير للمصالح والعواقب واختيار للتوقيت المناسب. وستظل قيمة هذه الزيارة مرتبطة بما ستتركه من آثار على العلاقات الثنائية، لا بما رافقها من عناوين احتفالية أو توقعات متسرعة.
أما السؤال الذي ينبغي أن يبقى مفتوحا أمام الإعلام الإسباني فهو بسيط: إذا كانت الزيارة مجرد تأكيد لسيادة محسومة، فلماذا جرى تقديمها باعتبارها «ردة فعل» وانتظار ما ستفعله الرباط بعدها؟ أحيانا، لا تكمن دلالة الحدث فيما يعلنه أصحابه فقط، بل أيضا في الطريقة التي يختار بها الإعلام تفسيره وتقديمه للرأي العام.
#المغرب #إسبانيا #سبتة_ومليلية #فيليبي_السادس #الإعلام_الإسباني #السيادة_المغربية #الدبلوماسية_المغربية #العلاقات_المغربية_الإسبانية #الرباط #مدريد
اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة