الحصاد24 لم يعد ما تنشره بعض المنابر الإعلامية الجزائرية حول قضية الصحراء مجرد اختلاف في الرأي، بل أصبح في كثير من الأحيان محاولة لصناعة سردية موازية لا تعكس ما يجري فعلا على مستوى التحركات الدولية. وما ورد في طرح صحفي جريدة الشروق يندرج في هذا السياق، لأنه يقدم المفاوضات الجارية وكأنها التفاف سياسي أو إعادة إنتاج لمسار فاشل، في حين أن الوقائع تشير بوضوح إلى أن الملف دخل مرحلة مختلفة عنوانها تسريع وتيرة الحل لا تجميده. المسار الذي انطلق من مدريد وانتقل إلى واشنطن، بمشاركة نفس الأطراف وتحت إشراف أممي أمريكي مشترك، لا يمكن قراءته باعتباره حركة شكلية. توالي الجولات في ظرف زمني قصير، والتكتم الدبلوماسي المصاحب لها، يعكسان أن المجتمع الدولي لم يعد يقبل بإبقاء النزاع مفتوحا بلا أفق، وأن هناك توجها واضحا نحو حل سياسي واقعي يستند إلى المرجعيات الدولية المطروحة منذ سنوات، وفي مقدمتها مقترح الحكم الذاتي باعتباره الأرضية العملية الوحيدة الموجودة على الطاولة. غير أن الخطاب الإعلامي الجزائري يصر على تجاهل هذه التحولات، ويواصل تقديم صورة توحي بأن الأمور تراوح مكانها أو أن المغرب يوجد في موقع الضغط. والحال أن القراءة الموضوعية تطرح أسئلة لا يمكن القفز عليها. الجزائر تؤكد دائما أن البوليساريو مجرد لاجئين، لكن اللاجئين في القانون الدولي لا يمتلكون ترسانة عسكرية ولا يعلنون تنفيذ عمليات. وحين يخرج الإعلام نفسه ليقول إن الجبهة تقصف مواقع مغربية، فإن السؤال المنطقي يصبح: من أين يتم هذا القصف؟ وإن كان من الأراضي الجزائرية، فذلك يفتح نقاشا يتجاوز الخلاف السياسي إلى مسألة أمن إقليمي قد تستدعي تدخلا دوليا أشد صرامة. هنا يظهر الخطر الحقيقي الذي يتجاهله الخطاب التعبوي. استمرار التعنت، سواء من الجزائر أو من البوليساريو، ومحاولة كسب الوقت أو وضع العراقيل أمام المسار السياسي، قد يدفع الأمور إلى منحى مختلف تماما. العالم اليوم لا يتعامل مع النزاعات بنفس منطق التسعينيات، بل أصبح يميل إلى تصنيف الفاعلين وفق أدوارهم في الاستقرار أو في تهديده. وإذا استمر خطاب المواجهة ورفض الانخراط في حل سياسي واقعي، فقد تبرز سيناريوهات ثقيلة الكلفة، من بينها إعادة توصيف الجبهة في سياق أمني بدل سياسي، وهو احتمال قد يجر معه تداعيات على الجهات التي توفر لها الدعم والرعاية. والجزائر نفسها تمر بظروف اقتصادية دقيقة يعرفها شعبها قبل غيره. وفي مثل هذا السياق، فإن أي توتر دولي إضافي أو ضغوط سياسية محتملة قد تكون كلفته مضاعفة. لذلك فإن القراءة المسؤولة لا ينبغي أن تقوم على تعبئة الرأي العام بالشعارات، بل على تنويره بحقائق التحولات الجارية، لأن مصلحة الشعوب لا تتحقق بالخطاب الدعائي، بل بقدرة الدول على التكيف مع المتغيرات الدولية قبل أن تفرض نفسها بقوة الوقائع. إن المرحلة الحالية لا تشبه ما سبقها. الملف يتحرك بوتيرة أسرع، والمفاوضات لم تعد مجرد لقاءات شكلية، بل مسار سياسي يتقدم نحو تسوية نهائية. وفي مثل هذه اللحظات، يكون دور الصحافة الحقيقية هو الإحاطة بالتحولات وشرحها للرأي العام، لا الاكتفاء بترديد خطاب قد يطمئن لحظيا لكنه يبعد المتلقي عن فهم ما يجري فعلا في الكواليس الدولية