ادريس طيطي لم يكن بيان الخارجية الأمريكية بشأن مشاورات مدريد عاديا أو قابلا للتأويل، بل جاء واضحا حين أكد أن الجزائر طرف مشارك في العملية السياسية المتعلقة بنزاع الصحراء إلى جانب المغرب والبوليساريو وموريتانيا. صياغة مباشرة أنهت سنوات من الخطاب الذي ظل يروج أن الجزائر “ليست طرفا” وإنما “ملاحظ”. هذا التطور وضع النظام الجزائري أمام معادلة صعبة داخليا. فبدل أن تبادر الخارجية الجزائرية إلى إصدار بيان رسمي يكذب أو يفند ما ورد في الموقف الأمريكي إن كان غير دقيق، اختار الإعلام الرسمي وشبه الرسمي العودة إلى خطاب “صفة المراقب”، في محاولة لإعادة توجيه الرأي العام الداخلي وتخفيف وقع الإحراج السياسي. اللافت أن الرد لم يكن دبلوماسيا بقدر ما كان إعلاميا. وهنا يبرز السؤال: إذا كانت الجزائر فعلا غير معنية كطرف، لماذا لا يصدر تكذيب رسمي واضح يواجه البيان الأمريكي مباشرة؟ الصمت الرسمي مقابل الضجيج الإعلامي يعكس، في نظر متتبعين، حالة ارتباك أكثر منه موقفا واثقا. في هذا السياق ذاته، جاء الإعلان عن تأسيس اتحاد كروي لما يسمى بالجمهورية الصحراوية، خطوة رمزية غير معترف بها دوليا، وبدت أقرب إلى محاولة خلق حدث مواز يشتت الانتباه. لم يكن الحدث في ذاته ذا أثر قانوني أو رياضي، لكنه حمل دلالة سياسية مرتبطة بتوقيت حساس. وكأننا أمام سياسة إلهاء، حين تضيق المساحات السياسية فيتم اللجوء إلى عناوين جانبية لصناعة زخم بديل. المشهد العام يوحي بأن راس مال النظام الجزائري في هذه المرحلة هو الإعلام، الذي يتحول إلى أداة تمويه أكثر منه وسيلة توضيح. فبدل مواجهة التحول الدبلوماسي بخطاب رسمي واضح، يجري تسويق روايات موجهة للداخل، هدفها امتصاص وقع ما يعتبره كثيرون انتكاسة سياسية. بيان واشنطن لم يغير فقط صيغة التوصيف، بل أعاد ترتيب مواقع الأطراف حول طاولة النقاش. وبين تأكيد دولي صريح ومحاولة داخلية لتخفيف الخسارة الرمزية، يبدو أن النظام الجازائري يعيش حالة ارتباك سياسي، يسعى إلى إدارتها إعلاميا، في انتظار ما ستفرزه المرحلة المقبلة من تطورات.