وأنت تتجول بين صفحات مواقع التواصل الاجتماعي، تكاد تشعر بأنك أمام احتلال رقمي حقيقي، ليس للأرض، بل للفضاء الإلكتروني والعقول. صفحات جزائرية تتكاثر، ومنشورات تتناسل، واحتفالات وزغاريد وإنجازات وهمية تصنع من خبر أممي، وكأننا أمام عالم مواز لا علاقة له بما يجري فعليا داخل أروقة الأمم المتحدة.
تتابع بعض هذه الصفحات، فتجدها تتحدث عن انتصار تاريخي للجزائر، وتقدم القرار المتعلق بقضية الصحراء المغربية وكأنه إدانة للمغرب، بل إن بعضها يوحي بأن الأمم المتحدة أعادت وصف المغرب بالاحتلال. ولا يصدر هذا الخطاب عن فايسبوكيين ومؤثرين فقط، بل يمتد إلى منابر إعلامية تقدم نفسها باعتبارها إعلاما رسميا أو مصدرا موثوقا للأخبار.
وهنا يطرح السؤال نفسه: كيف يمكن لمن يعيش في زمن التكنولوجيا، حيث تتوفر الجلسات الأممية بالصوت والصورة، وتتاح الوثائق الرسمية بلغات متعددة، وتوجد وسائل الترجمة التي تسمح لكل من أراد معرفة الحقيقة بالوصول إليها، أن يصدق رواية تتعارض مع مضمون الوثيقة التي يمكنه قراءتها بنفسه؟
لم نعد في زمن كانت فيه المعلومة حكرا على جهة واحدة. أصبح بإمكان أي مواطن أن يتابع الجلسات، ويستمع إلى المداخلات باللغة التي يتقنها، ويقرأ نص القرار، ثم يقارن بين ما قيل وما نُشر. ومع ذلك، يبدو أن بعض الصفحات الجزائرية تعيش في عالم آخر؛ عالم تصنع فيه الرواية أولا، ثم تُختار لها الوقائع التي تخدمها، ولو كان مضمون الوثيقة الأصلية يقول شيئا مختلفا.
أولا، لا بد من التوضيح أن التصويت جرى داخل اللجنة الرابعة التابعة للجمعية العامة للأمم المتحدة، وليس داخل الجمعية العامة بكامل هيئتها، كما قد توحي بعض المنشورات. وبحسب المعطيات المعلنة، اعتمدت اللجنة القرار بـ152 صوتا مؤيدا، من بينها صوت المغرب، مقابل صوتين ضد وسبع حالات امتناع عن التصويت.
لكن الأهم ليس عدد الأصوات وحده، بل مضمون القرار وما يتضمنه من إحالة إلى قرار مجلس الأمن رقم 2797، المعتمد في 31 أكتوبر 2025، والذي كرس مبادرة الحكم الذاتي المغربية أساسا للمفاوضات الرامية إلى التوصل إلى حل سياسي لقضية الصحراء، في إطار السيادة المغربية، وفق ما ورد في القرار الأممي.
كما يدعم النص مواصلة العملية السياسية التي تقودها الأمم المتحدة، ويدعو الأطراف المعنية، وهي المغرب والجزائر وموريتانيا وجبهة البوليساريو، إلى الانخراط بحسن نية ودون شروط مسبقة في مفاوضات مكثفة، بهدف التوصل إلى حل سياسي واقعي وعملي ودائم ومقبول من الأطراف.
وهنا تكمن المفارقة: القرار الذي يحتفل به النظام الجزاىري وشعبه لا يتضمن إدانة للمغرب أو وصفه بالاحتلال كما يجري الترويج، بل يحيل إلى مرجعية أممية تتقدم فيها مبادرة الحكم الذاتي المغربية باعتبارها أساسا للمفاوضات.
وهل يعقل أن يصوت المغرب لصالح قرار يعتبره بلدا محتلا؟ هذا هو الجنون بعينه، وهذا هو الهبل في قراءة السياسة والوثائق!
فالمغرب صوت لصالح القرار إلى جانب 151 دولة أخرى، لأنه لا يتضمن الإدانة المزعومة التي تروجها بعض الصفحات، ولأنه لا يتعارض مع المسار السياسي القائم على مبادرة الحكم الذاتي المغربية.
**لماذا كل هذا؟ سؤال لا يحتاج إلى جواب!**
وأنا أتابع هذه المشاهد، سألت نفسي: لماذا كل هذا؟ لماذا الإصرار على تحويل كل تطور أممي إلى انتصار جزائري، حتى عندما لا تؤيد تفاصيل النص الرواية التي يجري الترويج لها؟
إنه سؤال لا يحتاج إلى جواب، لأن الجواب يعرفه كل من يريد قراءة المشهد بعيدا عن الضجيج.
فـ«هل» في هذه الآية أداة استفهام تقريري، لا تنتظر جوابا عاديا، لأنها تضع أمامنا حقيقة واضحة: لا يستوي العلم والجهل، ولا تستوي معرفة الحقيقة بترديد ما يُملى على الإنسان دون تمحيص.
وهكذا هو الحال هنا. هل يستوي من يقرأ القرار الأممي ويتابع جلساته ويفهم سياقه، بمن يكتفي بمنشور يعلن النصر ثم يعيد نشره؟ وهل يستوي من يتحقق من المعلومة بمن يصدقها لمجرد أنها توافق ما يريد سماعه؟
ما دام الجواب واضحا، فلنترك النقاش الذي لا يضيف شيئا، ولنطرح السؤال الذي يستحق فعلا أن يُطرح: إلى متى؟ وكيف؟
إلى متى سيظل المواطن الجزائري محاصرا بروايات إعلامية وصفحات رقمية قد تحجب عنه جوانب أساسية من الحقيقة؟ وكيف يمكن بناء رأي عام سليم إذا كانت الرسالة نفسها تتكرر في عشرات الصفحات، حتى يبدو أن كثرة التكرار دليل على صحتها؟
المشكلة ليست في المواطن الجزائري باعتباره إنسانا، ولا في حقه في الاعتزاز ببلده، بل في حرمانه من المعلومة المتوازنة، وفي تحويل الإعلام إلى وسيلة لتوجيهه نحو استنتاجات جاهزة، بدل تمكينه من الاطلاع على الوثائق ومناقشة الوقائع.
لكن الحقيقة لا تبقى محجوبة إلى الأبد، خصوصا في زمن أصبح فيه النص الرسمي متاحا، والتسجيل المرئي محفوظا، والترجمة في متناول اليد. وقد يأتي جيل آخر يسأل عن الثروات التي أُهدرت، وفرص التنمية التي ضاعت، والأولويات التي تراجعت أمام خصومة إقليمية طويلة مع بلد جار.
فثروات الجزائر وإمكاناتها كان يمكن أن تسهم في تنمية أكبر، وفي توفير فرص أفضل لشبابها، وفي بناء تعاون اقتصادي يخدم شعوب المغرب العربي. أما استمرار التوتر مع المغرب وتغذية العداء عبر الخطاب الإعلامي، فيطرحان سؤالا مشروعا حول كلفة هذا المسار على المواطن نفسه. ألم يكن الأجدى توجيه هذه الطاقات نحو التنمية وبناء مستقبل أفضل لشعوب المنطقة، بدل استنزافها في خصومات لا تنتهي؟ ثم ألم يوصنا الرسول صلى الله عليه وسلم بالجار، بما يجعل احترام الجوار قيمة تتجاوز الخلافات السياسية؟
إن ما نشاهده على بعض الصفحات الجزائرية يكشف كيف يمكن للفضاء الرقمي أن يتحول إلى أداة لتوجيه الرأي العام، عبر تكرار الرسالة نفسها وتضخيم عنوان واحد وإغراق المنصات بمنشورات متشابهة. وحين يتداخل ذلك مع خطاب إعلامي رسمي أو شبه رسمي، قد يعتقد المتلقي أن تعدد الصفحات يعني تعدد المصادر، بينما تتكرر الرواية ذاتها بصيغ مختلفة.
غير أن العالم لم يعد مغلقا. فهناك من يتابع الجلسات الأممية مباشرة، ويقرأ الوثائق الأصلية، ويقارن بين النصوص الرسمية وما تنشره الحسابات الرقمية. وعندما ينكشف التناقض بين مضمون القرار والاحتفالات التي تُبنى عليه، تتحول الرواية الدعائية إلى مادة للسخرية لدى متابعين يكتشفون أن الضجيج لا يغير الحقائق.
فالقرار الأممي في واد، والاحتفالات التي تصنعها بعض الصفحات الجزائرية في واد آخر. وبين الاثنين، يظل المواطن من حقه أن يعرف الحقيقة كاملة، بعيدا عن التوجيه والتضليل.
فالتاريخ لا يكتب بعدد المنشورات ولا بحجم الضجيج على مواقع التواصل الاجتماعي، بل بالوثائق والوقائع وما تتركه السياسات من أثر في حياة الشعوب.