الحصاد24
ما أثارني اليوم ، وأنا أتصفح مواقع التواصل الاجتماعي، هو مشهد قادم من دولة النيپال، حيث تحولت بعض المباني الحكومية إلى رماد، واحترق البرلمان تحت شعارات الغضب والرغبة في إسقاط الحكومة. صور الاحتجاجات العنيفة هناك، وما رافقها بعض التعليقات المؤيدة للفوضى، دفعتني للتوقف مطولا: هل يكون الإصلاح فعلًا في إحراق الممتلكات العامة؟ وهل يمكن أن يبنى وطن على أنقاض برلمانه ومؤسساته؟
إن الغضب الشعبي مفهوم، والاحتجاج السلمي حق مشروع تكفله القوانين والدساتير، بل إنه صمام أمان حين يشعر المواطن أن صوته غير مسموع. لكن ما لا يمكن أن نقبله هو الانزلاق من السلمية إلى التخريب، ومن التعبير إلى التدمير. لأن الممتلكات العامة ليست ملكًا للحاكم، بل هي ملك للشعب نفسه، وكل حجر يُحرق أو يُكسر هو خسارة للوطن بأكمله.
التاريخ يعلمنا أن إسقاط الحكومات الفاسدة لم يُصنع بالفوضى، بل بالصناديق والاقتراع، بالوعي والتنظيم، وبالمسيرات السلمية التي تحرج المسؤولين وتدفعهم إلى الإصغاء. حين يقتنع الشعب أن صوته في الصندوق أقوى من أي شعلة نار، يصبح الإصلاح ممكنًا دون أن يُسال دم أو تُحرق مؤسسة.
إننا لا نقلل من حجم معاناة الشعوب مع الفساد وسوء التدبير، ولا ننكر حقها في الغضب. لكن أن يتحول الغضب إلى نار تلتهم ممتلكات الأمة فهذا ضرب من الانتحار الجماعي، يجعل الدولة تتراجع إلى الوراء، ويضاعف خسائر الفقير قبل الغني.
إسقاط الحكومة إذن ليس في إشعال الحرائق، بل في إشعال وعي الشعوب. ليس في هدم البرلمان، بل في انتخاب برلمان جديد. ليس في تحطيم مؤسسات الدولة، بل في دفعها لتجدد نفسها عبر قوة الصندوق وقوة الكلمة السلمية.










