بقلم/ إدريس طيطي لم يعد خافيا على أحد ما يجري في الجارة الشرقية، الجزائر، من مواقف تجاه المغرب تجاوزت في كثير من الأحيان حدود الخلاف السياسي والدبلوماسي، لتتحول إلى ما يشبه حالة دائمة من الاستنفار ضد كل ما هو مغربي. ولأن الحديث في هذا الموضوع لم يعد مجرد سجال عابر بين مواطنين على مواقع التواصل الاجتماعي، ولا مجرد مشادات بين فايسبوكيين مغاربة وجزائريين، فإن من الضروري أن نضع بعض النقط على الحروف، وأن نستعيد عددا من الوقائع التي تكشف، في نظر كثيرين، طبيعة هذا السلوك وأبعاده. لنبدأ من الرياضة. عندما نشب خلاف بين المغرب والسنغال في قضية رياضية، لم تنتظر الجزائر كثيرا حتى تدخل على الخط، بل ظهرت وكأنها مستعدة لتسخير كل إمكانياتها، بما فيها التكفل بفريق من المحامين، للدفاع عن الجانب السنغالي في مواجهة المغرب. لكن الخلاف المغربي السنغالي انتهى بالتصالح، وأخذت المسألة القانونية مسارها الطبيعي، وانتهى النزاع بين الطرفين. ثم جاءت فرنسا. عندما دخل المغرب في أزمة دبلوماسية مع باريس، خرجت الجزائر للدفاع عن فرنسا، وبدأت معها مرحلة من التقارب والود، إلى الاتصالات السياسية، وكأن الخلاف المغربي الفرنسي أصبح مناسبة لإعادة ترتيب العلاقة الجزائرية الفرنسية. ثم تصالح المغرب وفرنسا، وانتهى الأمر باعتراف فرنسا بمغربية الصحراء ودعمها لمقترح الحكم الذاتي. مرة أخرى، انتهت الأزمة، وبقي السؤال: ماذا ربحت الجزائر من معركة لم تكن معركتها؟ أما مع إسبانيا، فالقصة لم تختلف كثيرا. كلما وقع توتر بين المغرب ومدريد، تحركت الآلة الجزائرية سياسيا وإعلاميا. وفي الأحداث الأخيرة المرتبطة بسبتة ومليلية، بدا أن الأمر تجاوز الموقف الرسمي إلى تجند إعلامي وإلكتروني شارك فيه إعلام ومؤثرون وصفحات وحسابات، في حملة لم يعد من الصعب رصدها. لكن المفارقة الأكثر إثارة أن المشكلة التي يفترض أنها بين المغرب وإسبانيا، تكاد تتحول في الخطاب الجزائري إلى مشكلة مع المغرب وحده. بل إن الأمر يصل، في بعض التغطيات الإعلامية الجزائرية، إلى تجنب وصف سبتة ومليلية بأنهما مدينتان مغربيتان محتلتان، والتعامل معهما كما لو أنهما مجرد مدينتين إسبانيتين. وهنا يحق لنا أن نسأل بكل صراحة: هل هناك وقاحة سياسية وإعلامية أكثر من أن تتحول قضية مدينتين محتلتان إلى مدينتين إسبانيتين في خطاب جزائري يفترض أنه يراقب المشهد من الخارج؟ والأهم أن هذه الوقائع ليست حديثا عن مؤامرات مخفية أو ملفات سرية؛ فجزء كبير منها يظهر علنا في وسائل الإعلام الجزائرية وعلى منصات التواصل الاجتماعي. لكن هنا يجب أن نعود إلى أصل الموضوع. المشكلة ليست في فايسبوكي مغربي يشتبك مع فايسبوكي جزائري. ذلك مجرد عرض جانبي. المشكلة حين يتحول الخلاف إلى سياسة إعلامية، وحين يصبح النظام والإعلام الرسمي جزءا من عملية التعبئة ضد المغرب، وحين تتحول منشورات مواقع التواصل، بما فيها الأخبار المفبركة والمعلومات مجهولة المصدر، إلى مادة تقدم للمشاهد في نشرات إخبارية رسمية. وهنا يطرح السؤال نفسه: إلى متى؟ إلى متى ستظل الجزائر تنفق من طاقتها وثرواتها ومواردها ووقت مؤسساتها في محاولة عرقلة المغرب؟ فالبلدان لا يقاسان بعدد الحملات الإعلامية ضد بعضهما، وإنما بما يقدمانه لشعبيهما من تنمية وفرص وتعليم وصحة واقتصاد. والأكثر إيلاما أن الشعبين هما من يدفعان ثمن هذه الخصومة. وهنا تحضرني نكتة شعبية ساخرة تختصر المفارقة كلها: يقال إن جنيا زار رجلين، فقال لأحدهما: اطلب أي شيء تشاء، لكن اعلم أنني سأعطي لصاحبك منه شيئين. فكر الرجل قليلا، ثم قال: أريد أن تفقأ لي عينا واحدة. فاستجاب لطلبه بفقأ عينه، ووجد نفسه مضطرا إلى أن يفقأ للرجل الآخر عينين. قد تكون مجرد نكتة، لكنها في سياق هذه الخصومة تبدو أكثر من مجرد نكتة. فالجزائر، في نظر منتقدي سياستها تجاه المغرب، لا هي توقفت عن معركتها، ولا تركت المغرب يعيش طريقه. وحتى الغاز، الذي يفترض أن يكون ثروة لخدمة الجزائريين وتنمية بلدهم، دخل أحيانا في منطق الخصومة، حتى صار انخفاض ثمنه يُقدم وكأنه انتصار على المغرب، أو كما يقال شعبيا: “زكارة في المروك”. لكن السؤال البسيط هو: من يدفع ثمن هذه “الزكارة”؟ في النهاية، الثروة جزائرية، والمال جزائري، والمستفيد المفترض هو المواطن الجزائري. وهنا تكمن المفارقة الكبرى: أن تتحول الخصومة مع الجار إلى هاجس يستهلك طاقة بلد كان الأولى أن يوجهها إلى بناء اقتصاده وتحسين حياة مواطنيه. المغرب لن يتوقف عن مساره بسبب حملة إلكترونية، والجزائر لن تصبح أقوى كلما ارتفع منسوب الهجوم على المغرب. كان يمكن للبلدين أن يتنافسا في التنمية بدل أن يتنافسا في العرقلة. وكان يمكن لشعبيهما أن يدفعا ثمن التنمية، لا ثمن الخصومة. وفي النهاية، ربما يكون السؤال الأكثر واقعية: ماذا لو توقفت الجزائر عن سؤال: كيف نعرقل المغرب؟ وبدأت تسأل: كيف نبني الجزائر؟ عندها فقط قد يكتشف الجميع أن أفضل انتصار على الجار ليس أن تمنعه من النجاح… بل أن تجعل شعبك هو الرابح.