حين يتحول النقاش إلى تعميم… أين أخطأ بنكيران في حديثه عن المرأة المغربية؟

ادارة النشرمنذ 3 ساعاتآخر تحديث :
حين يتحول النقاش إلى تعميم… أين أخطأ بنكيران في حديثه عن المرأة المغربية؟
إدريس طيطي -,مجرد رأي –
صادفت هذا الفيديو كما تصادفني بين الفينة والأخرى خرجات بنكيران التي تثير الجدل واحدة تلو الأخرى، وهي تصريحات قد تبدو في ظاهرها ضمن النقاش العمومي حول قضايا مجتمعية حساسة، لكنها سرعان ما تفتح باب التأويل والاختلاف. ومن هذا المنطلق يمكن التوقف عند هذا المقطع ليس من باب الاصطفاف مع أو ضد، بل من باب قراءة ما قيل وكيف قيل، خاصة حين يتحول النقاش من طرح الرأي إلى التعميم الذي يلامس صورة فئة اجتماعية كاملة.
بداية، لا يمكن أن نجحف في حق عبد الإله بنكيران في مسألة تدخله وإبداء رأيه بخصوص ما جاءت به مدونة الأسرة، خاصة في ما يتعلق بالعلاقة بين المرأة والرجل ومسألة الحقوق والواجبات. فمن حقه، كفاعل سياسي سبق أن تولى رئاسة الحكومة، أن يعبر عن موقفه وأن يناقش القضايا المجتمعية المطروحة، لأن الاختلاف في الرأي أمر طبيعي داخل أي مجتمع حي، بل هو علامة على ديناميكية النقاش العمومي وليس على ضعفه.
كما أن موضوع مدونة الأسرة ليس ملفا تقنيا أو قانونيا صرفا، بل هو ورش اجتماعي كبير يمس تفاصيل الحياة اليومية للأسر المغربية، وبالتالي فمن الطبيعي أن تتعدد فيه وجهات النظر، بين من يدعو إلى مزيد من التوازن في الحقوق، ومن يتحفظ على بعض التعديلات، ومن يطالب بحماية مكتسبات يعتبرها أساسية. هذا التعدد في حد ذاته صحي، شريطة أن يبقى داخل دائرة الاحترام والتقدير وعدم الإسقاط على الأشخاص أو الفئات.
لكن الإشكال الذي يطفو في مثل هذه التصريحات لا يتعلق بوجود رأي مخالف، بل بطريقة صياغته. فحين يتم الانتقال من النقاش في القوانين إلى تقديم صور عامة عن سلوك المرأة المغربية، وكأنها كتلة واحدة تتحرك بمنطق واحد، هنا يبدأ الإشكال الحقيقي. لأن التعميم في مثل هذه القضايا لا يظلم فكرة فقط، بل يختزل مجتمعا بكامله في زاوية ضيقة، ويغفل التنوع الكبير الذي يطبع العلاقات الإنسانية داخل الأسر.
فالإيحاء بأن المرأة قد لا تبقى مع زوجها إذا علمت أنها ستأخذ نصف ممتلكاته في حالة الطلاق، يفتح الباب أمام قراءة تختزل العلاقة الزوجية في بعدها المادي فقط، وكأن الرابط بين الزوجين لا يتجاوز الحسابات المالية. والحال أن الواقع الاجتماعي أكثر تعقيدا من هذا التصور، حيث توجد نماذج كثيرة لنساء وقفن إلى جانب أزواجهن في ظروف صعبة، وشاركنهم الفقر قبل الغنى، والمرض قبل الصحة، دون أن يكون منطق الربح والخسارة حاضرا بالصيغة التي يتم تقديمها في الخطاب التعميمي.
وفي هذا السياق، حاول بنكيران أن يقدم استثناء لهذا الطرح عبر استحضار نموذج السيدة عائشة رضي الله عنها، لكنه استثناء بدا في غير محله، لأنه ربط بقاء المرأة مع زوجها بإيمان استثنائي يكاد يكون فوق الواقع البشري العادي. وكأن المرأة المغربية العادية لا يمكن أن تكون وفية أو صابرة أو متشبثة بأسرتها إلا إذا ارتقت إلى مستوى هذا النموذج الإيماني الرفيع، وهو ما يجعل الاستثناء هنا غير كاسر للتعميم، بل أقرب إلى إعادة إنتاجه بطريقة غير مباشرة.
وما يزيد الإشكال تعقيدا هو محاولة إسقاط هذا النموذج على النساء في عمومهن، وكأن الوفاء والصبر والتشبث بالأسرة لا يمكن أن يكون سلوكا إنسانيا عاديا، بل يحتاج إلى مقام استثنائي أو حالة خاصة. بينما الواقع اليومي يكشف أن هناك نساء كثيرات يقدمن نماذج صادقة في التضحية والصبر إلى جانب أزواجهن، دون أن يكون ذلك مرتبطا بمقارنة أو قياس على نموذج ديني استثنائي.
وهنا يكمن جوهر النقاش، فالمجتمع لا يُقاس بنموذج واحد، ولا يمكن اختزال النساء في صورة واحدة أو سلوك واحد. فكما توجد حالات ترتبط فيها العلاقات الزوجية بالحسابات المادية أو تنتهي بصراعات حول الممتلكات، توجد أيضا قصص كثيرة عن وفاء وصبر وتضحية وتماسك أسري، لا تحضر فيها لغة الأرقام، بقدر ما تحضر فيها قيم العشرة والمسؤولية المشتركة.
لذلك فإن الإشكال الحقيقي في مثل هذه النقاشات لا يتعلق فقط بالمضمون، بل بوقع الكلمات حين تصدر عن شخصية سياسية لها حضور وتأثير في الرأي العام. فالكلمة في هذا السياق لا تبقى مجرد رأي شخصي، بل تتحول إلى خطاب قابل للتأويل والتداول، وقد يساهم في ترسيخ صور نمطية لا تعكس بالضرورة تعقيد المجتمع المغربي وتنوعه.
في النهاية، يبقى من حق أي فاعل سياسي أن يعبر عن رأيه، لكن من واجب الخطاب العمومي أن يوازن بين حرية التعبير ودقة التوصيف، حتى لا يتحول النقاش من محاولة الفهم والإصلاح إلى إنتاج أحكام عامة قد تظلم الفكرة أكثر مما تخدمها.
#المرأة_المغربية
#مدونة_الأسرة
#بنكيران
#تعميمات_مجتمعية
#النقاش_السياسي
اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة