إدريس طيطي
الثامنة والعشرون
هذا أنا… الستيني الذي لم يتمرد، لكنه فقط تراجع إلى الوراء قليلا، وسمح لقلبه أن يحن، أن يتعب، أن يعتذر. لم أعد أجري خلف الحكايات، بل صرت أجلس لها، أتركها تجرني كما تشاء، تعرقلني، تتدلى من قلبي، تتعثر بي، فأتمايل معها كغصن عجوز في ريح الذكرى
أحيانا، أشعر أنني تحررت قليلا من صورة صديقي الذي جن… كيف جن بهذه السرعة؟ دون ترتيب؟ دون مقدمات؟ مجرد شق في الصمت… ثم انزلق إلى الغياب
حين بدأت صورته تبهت في خيالي، ابتسمت. ابتسمت فجأة… لا لشيء، سوى أن وجوها أخرى قابلتني على ناصية الذاكرة. وجوه أطفال احتفلوا بي ذات مساء… نعم، احتفلوا بي… أنا الستيني المتعب، العائد من دوامة مهرجان، مثقل بالإكراهات، منهك من الركض خلف برنامج، متذمر من نكران الكبار، ساخط على قسوة التفاصيل
كنت آنذاك عائدا كمن يعود من معركة. لا رغبة لي في الحديث، ولا حتى في التداريب التي تنتظرني. لكن حين فتحت باب القاعة، وجدتهم… وقفوا جميعا، بعيون تلمع، وابتسامات لا تصطنع شيئا
طورطة صغيرة في المنتصف، شمعتان فقط، أوراق مقصوصة من دفاترهم كأنها زينة العيد، وطفل يركض نحوي صارخا
“عمي إدريس، عافاك طفي الشمع”
لم أسألهم عن السبب، لم أبحث عن المناسبة، بل فقط…
اندفعت نحوهم بكل ما تبقى في داخلي من دفء
علمت بعدها أنهم جمعوا الدراهم أسبوعا كاملا، اشتروا حلوى ومشروبا غازيا رخيصا، وصنعوا من لحظتهم عيدا، ومن وجهي فرحة. كانوا يحتفلون، لا بي فقط، بل بكل ما زرعته فيهم من حب ومواكبة. وكأنهم يقولون لي بطريقتهم
“نحن لا ننسى”
جلست في طرف القاعة، شاردا. ومضت كل السرود في ذهني كالبرق… صديق طفولة صرخ جنونه ولم ينصت له أحد، بنت الحي التي كنا نظنها حب الجميع، ثم ذابت كسكر في ماء اللامبالاة، رجال ضاعت رجولتهم في لعب القمار، نساء جفت قلوبهن في صقيع الطلاق، أصدقاء طعنوا حين ظنناهم سندا، وجيران أصبحوا غرباء
كل أولئك… كانوا هنا، ولكن شمعتان في يد طفل صغير… أنارتا العتمة كلها
أدركت يومها أن بعض الحكايات لا تحتاج لتفسير، وبعض الاعترافات لا تأتي بالكلمات، بل… بورقة ممزقة من دفتر، كتب عليها
“عمي إدريس، نحبك”
وها أنا… في ليل المدينة، أجلس مجددا، لا أبحث عن حكمة، ولا ألقي اللوم على أحد، بل فقط… أستعرض وجوه الأطفال، وأبتسم









