ستيني في ليل المدينة( عندما قادتني شواية سردين إلى حافة الحكاية)

ادارة النشر19 يوليو 2025آخر تحديث :
ستيني في ليل المدينة( عندما قادتني شواية سردين إلى حافة الحكاية)

إدريس طيطي

الخيال الثاني والعشرون

تأكدت اليوم أنني… هذا أنا

أحيانا، أبسط الأمور يمكن أن تدمرنا

قلت في نفسي: اعتقدت أنني أصبحت معروفا، أصطاد الحكايات، أتوهم أن كثيرين يرمقونني وكأنهم يدعونني لصيد ثمين، كأن حضوري بات لصيقا بالحكايات التي لا تجد غيري لتبوح له. لكنني اليوم خرجت بدون سلاح، بدون خاطر، فقط لأتحرر. لا أريد أن أبكي، لا أريد أن أوجع، أردت فقط أن أتنفس. اشتقت إلى شواية سردين، فخرجت، كما يخرج العطشان بحثا عن الماء، إلى المرسى

هناك من يعتقد أنني لا أزور المرسى إلا طمعا في السمك، أو لشرائه، أو لمجرد رؤية الحوت يباع. ولكنهم لا يعلمون أن أقسى الحكايات، أكثرها فتكا، تباع هناك بلا ثمن… ترمى على الأرصفة، وتنسج في عيون الوجوه العابسة

هل تعلم أن شخصا قد يتشرد فقط لأنه لا يجد ثمن تذكرة؟ لأنه خجول، كتوم، لا يستطيع أن يمد يده، ولا أن يبوح بما داخله؟

عزة النفس قد تقتل. تمشي بصاحبها حتى ينقطع عنه الدرب، ويصير وجهه صفحة باهتة تعبث بها تقلبات البرد، وتشوه ملامحه السنون، وتطفئ الضوء من عينيه

قلت إنني جئت فقط لآكل السردين. ولكن يبدو أن الحكاية كانت تراقبني. هي من اصطادتني، لا أنا

جلست أتناول “سوايوي” بصمت، شواية سردين عشقها خاطري، مع بصل وحار… حين رأيته يرمقني بنظرة طويلة. كأنه يعرفني أو يتمنى أن يعرفني. كان في عينيه شيء يقول لي: اسأله. شيء يشدني، رغم أنني لم أخرج لأسمع أحدا. ومع ذلك، سألته إن كان جائعا، فلم يقل لا، ولم يقل نعم. فقط صمت، ذلك الصمت الذي يصرخ

دعوته للجلوس. تردد. صاحب المحل لم يكن مرتاحا، فقلت له: “أنا من طلبته، دعه يجلس”

جلس أمامي، بحذر، بخجل، بارتباك واضح. بدأ الحديث بتردد. كأن الكلمات تخونه، كأن الذاكرة تتقطع، كأن الزمن فيه اضطراب

تكلمنا عن الأصل، عن العائلة، عن المدينة. بدا لي متعلما، مثقفا، لكنه مضطرب، مشوش، كأن جسده حاضر ولكن روحه في مكان آخر

حين استدرجته في الكلام، عرفت أنه غاب عن عائلته أكثر من سنتين. لم يكن في الخارج، لا، بل في المغرب. ولكنه ضاع بين المراسي

قال لي: “أبي طردني. قال لي: إما أن تعمل وتأتي بالمال، أو اخرج. فخرجت”

سألته: “لماذا لم ترجع؟”

قال: “الأيام جرفتني. كنت أشتغل هنا وهناك. ثم خجلت. كبريائي منعني. لم أعد أحتمل أن أعود بتلك الحالة. وكل يوم أقول: غدا أرجع. ولكن الغد لم يأت. ومرت سنتان”

وجهه كان يميل للزرقة، كأنه يعيش في العراء. في تقاطيع وجهه كان البرد، السهر، الغربة. لا شيء ملموس دمره، فقط عزة نفس، خجل، قسوة والد، و”حمالة الحطب” كما وصف زوجة أبيه

قال لي: “كيف أرجع؟ والدي لن يرحمني. سيطردني ثانية. أنا هربت من كل شيء، ولم آت بأي شيء”

اقترحت عليه أن أشتري له ملابس، وتذكرة سفر. رفض. كبرياؤه ما يزال حيا، حتى وسط الرماد

قال: “عندك سيجارة؟”

قلت: “لا أدخن”

قال: “حتى أنا لم أكن، ولكن أدمنت”

تلك كانت لحظة صمت. نظرت في عينيه. رأيت غصة. وجعا لم يصرخ به، ولم يطلب به الشفقة. رأيت الحكاية كلها، تفيض من حدقتيه

عاتبته. قلت له: “لماذا لم تذهب إلى الأمن؟ إلى الجمعيات؟ إلى أي أحد يساعدك؟”

قال: “لأنني كنت أقول: غدا. واليوم يلي الغد. ثم عامان مرا” هنا، أدركت أن الكبرياء قد يشرد الإنسان. أن الخجل قد يسقطنا من الحياة

أنا ستيني. خرجت اليوم فقط لأشتاق إلى شواية سردين… فوجدتني في حضن حكاية جديدة، تنضاف إلى حكايات كثيرة سردتها عن بشر جرفهم وجعهم… أو عن بشر صمدوا، فقط لأنهم تخلوا عن الكبرياء لحظة واحدة

اليوم، تأكدت أنني هذا أنا. تأملت حال هذا الشاب، فقلت في سري: سبحان من رباهم فظلموهم، وسبحان من لم يربهم فأذاقوهم المر

لا نعلم ما تخبئه لنا الأيام، ولا كيف يباغتنا القدر أحيانا ونحن عزل، بلا حول، بلا عذر، سوى قلب لا يحتمل، وكبرياء لا ينكسر إلا بعد فوات الأوان. ربما نحن جميعا مشاريع ضياع مؤجل، ننتظر فقط لحظة ضعف، أو غفلة، أو صدفة… كي نصير حكاية أخرى على طاولة غريب.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة