بقلم: إدريس طيطي – مجرد رأي وأنت تحاول أن تناقش بعض القضايا، تجد نفسك مضطرا إلى وضع أكثر من خط أمامك، لأن ما يظهر في الشارع ليس دائما كل ما يوجد خلفه. قد أتفق مع القضية أو أختلف معها، وقد أتعاطف مع أصحابها أو أختلف مع طريقة التعبير عنها، لكنني أريد أن أضع السؤال في مكانه الصحيح: ما جدوى هذا الاحتجاج؟ وماذا حقق؟ وماذا يمكن أن يحقق؟ أنا لست ضد المظاهرات من حيث المبدأ. حين يخرج مواطن بسبب فاتورة ماء أو كهرباء أثقلت كاهله، أو عامل يطالب بحقه بعد سنوات من العمل، أو مواطن يحتج من أجل التعليم أو الصحة أو العدل أو الشغل، فأنا أفهم لماذا ينزل الناس إلى الشارع. هنا توجد مشكلة ملموسة، ومطلب محدد، ويمكن أن يكون للاحتجاج أثر في دفع المسؤول إلى الاستماع والمعالجة. لكنني أتحدث عن نوع آخر من الاحتجاجات، تلك التي تستمر وتتكرر، بينما تظل النتيجة غائبة، وتتحول مع الوقت إلى استنزاف للناس والأمن والشارع. خذوا الحرب على إيران مثلا. قد يكون لكل واحد منا موقفه منها، وقد نتعاطف مع ضحاياها ونرفض الحرب، لكن السؤال البسيط يبقى قائما: ماذا تستطيع مظاهرة في المغرب أن تغير في حرب تتحكم فيها حسابات دول وقوى كبرى؟ وماذا تستطيع الدولة المغربية أن تفعل أمام قرار عسكري أو صراع دولي لا تملك أدوات التحكم فيه؟ هنا يجب أن نفرق بين التعبير عن موقف وبين امتلاك القدرة على تغيير الحدث. وفلسطين شيء آخر في وجدان المغاربة. كلنا تألمنا لما حدث في غزة، وتقطعت قلوبنا أمام صور القتل والدمار والجوع، ولا أحد يحتاج إلى المزايدة على هذا التعاطف. لكنني أعتقد أن القضية العادلة نفسها تحتاج إلى أن نحميها من أن تتحول إلى مساحة تختلط فيها الدوافع والمصالح والحسابات. ففي أي تجمع كبير، قد تجد من جاء بدافع قناعة صادقة، ومن جاء لموقف سياسي، ومن وجد في الشارع مساحة لملء الفراغ، ومن يردد ما يسمعه دون أن يعرف كثيرا من تفاصيل الملف، وقد تجد أيضا من يحاول توظيف أي حشد لخدمة أجندة أخرى. لا أتهم أحدا بعينه، ولا أقول إن هذا هو حال الجميع، لكن اختلاط المكونات قد يميع القضية ويجعل ما يحدث في الشارع مختلفا عما يقال في الشعارات. وهنا تصبح لدي مشكلة مع المظاهرة الاستنزافية. إذا كانت النتيجة في نهاية اليوم هي أن رجال الأمن ظلوا لساعات في حالة استنفار، وأن حركة الناس تعطلت، وأن الاحتكاكات تحولت إلى صدامات، ثم انتهى كل شيء دون تغيير يمكن قياسه، فمن حقي كمواطن أن أسأل: ماذا كسبنا؟ الأمن الذي يقف في الشارع لتدبير احتجاجات متكررة هو نفسه الذي نحتاج إليه في أماكن أخرى: في مواجهة الجريمة والمخدرات والسرقة، وفي حماية الأحياء والأسر، وفي ضمان أمن المواطن. ولذلك لا أرى في وجود الأمن خلال الاحتجاج مشكلة في حد ذاته؛ المشكلة عندما يتحول جزء كبير من طاقته إلى تدبير صدامات كان يمكن تجنبها، بينما هناك ملفات أمنية واجتماعية أخرى تحتاج إلى حضوره. وما يزيد قلقي أن المشهد لا يبقى دائما محصورا داخل حدودنا. يكفي أن ترى كيف تنتقل صور الاحتجاجات ومقاطع الصدامات إلى صفحات وحسابات خارج المغرب، وكيف تتحول أحيانا إلى مادة للتعليق والتحريض وتوظيفها في صراعات لا علاقة للمواطن المغربي بها. وهناك من يتربص بالمغرب سياسيا وإعلاميا، ينتظر أي صورة يمكن أن يقدم بها مشاكلنا الداخلية وكأنها دليل على فشل شامل. وهنا أطرح السؤال بصراحة: لماذا نقدم نحن المادة التي يحتاجها من يريد أن يستعمل خلافاتنا وقضايانا ضدنا؟ لا أتحدث عن مؤامرة خلف كل مظاهرة، ولا أقول إن كل من يخرج إلى الشارع يخدم خصوم المغرب. هذا تبسيط لا أقبله. لكن الدول التي تواجه خصومات حقيقية يجب أن تكون أكثر انتباها إلى كيفية إدارة خلافاتها الداخلية، لأن ما يحدث في الشارع لا يبقى دائما في الشارع. المغرب اليوم أمام ملفات كثيرة، وليس في وضع يسمح له بتبديد طاقته في معارك لا يعرف المواطن كيف يمكن أن تنتهي. قضية الصحراء المغربية وحدها تحتاج إلى نفس طويل، وهناك سبتة ومليلية، وعلاقات دولية معقدة، وخصوم يراقبون كل خطوة، إضافة إلى مشاكل داخلية حقيقية في التعليم والصحة والشغل والغلاء والأمن. لذلك قد يكون من حق الإنسان أن يختلف مع الدولة، ومن حقه أن يرفض التطبيع، ومن حقه أن يتضامن مع فلسطين، ومن حقه أن يعبر عن موقفه من أي حرب أو قضية دولية. لكن ليس كل موقف يحتاج بالضرورة إلى مظاهرة متواصلة، وليس كل قضية دولية يمكن أن يحسمها الشارع المغربي. أنا شخصيا لا أقول إنني ضد هذه المظاهرات، وإنما أقول إنني ضد أن تتميع القضية داخل مظاهرة لا نعرف أين تبدأ وأين تنتهي، ومن يستفيد منها، وماذا ستنتج في النهاية. قد لا يعجب البعض هذا الكلام، وربما يختلف معي آخرون، وهذا طبيعي. فأنا لا أطلب من أحد أن يتخلى عن قناعته، ولا أضع نفسي حكما على نيات من يخرج إلى الشارع. ما أقوله أبسط من ذلك: عندما تتعدد الملفات من حولنا، وتصبح بعض القضايا أكبر من قدرتنا على التأثير فيها، علينا أن نعرف أين نضع جهدنا، ومتى يكون الاحتجاج فعلا منتجا، ومتى يتحول إلى مجرد استنزاف. فالمغرب له قضاياه التي تحتاج إلى كل طاقته: الصحراء المغربية، وسبتة ومليلية، ومصالحه وعلاقاته الدولية، إلى جانب ما يعيشه المواطن يوميا من مشاكل في التعليم والصحة والشغل والغلاء والأمن. ومن غير المنطقي أن نستهلك جزءا كبيرا من طاقتنا في معارك لا نملك مفاتيحها، ثم نترك ما نستطيع تغييره ينتظر. وأكثر ما يقلقني ليس أن يختلف المغاربة، فالاختلاف طبيعي، وإنما أن تختلط القضايا إلى درجة يصبح معها من الصعب معرفة أين ينتهي الموقف الصادق وأين تبدأ الحسابات الأخرى، وأن تتحول مشاهدنا الداخلية إلى مادة جاهزة لمن يتربص بالمغرب ويبحث عن كل ما يمكن أن يستعمله ضده. لذلك، قد أتفق مع القضية وأختلف مع الطريقة، وقد أتعاطف مع الموقف ولا أقتنع بجدوى الاستمرار فيه بالشكل نفسه. وفي النهاية لا أملك جوابا نهائيا، لكنني أملك سؤالا أراه كافيا لفتح النقاش: إذا كان كل هذا الجهد لا يغير شيئا، ولا يقربنا من حل، ولا يحمي قضايانا من الاستغلال… فماذا نربح منه؟ هنا، بالنسبة إلي، يبدأ الحديث الحقيقي عن المظاهرات الاستنزافية.. وماذا بعد؟! #المظاهرات_الاستنزافية #وماذا_بعد #المغرب #الاحتجاجات #المظاهرات #حرية_التعبير #فلسطين #غزة #إيران #القضية_الفلسطينية #الأمن #المجتمع_المغربي #الصحراء_المغربية #المصلحة_الوطنية #مجرد_رأي