الحصاد 24

8 مارس: بين الاحتفال العابر والإنصاف المؤجل

alt=
زيات محمد – ممثل ومخرج مسرحي
في كل سنة، ومع حلول اليوم العالمي للمرأة في الثامن من مارس، تتكرر المشاهد نفسها: باقات ورد، كلمات منمقة، صور تذكارية، ومنشورات مفعمة بعبارات التقدير والامتنان. فجأة، تصبح المرأة محور الخطب والبرامج والندوات، وكأن المجتمع اكتشف قيمتها في هذا اليوم فقط. لكن ما إن تنطفئ أضواء الاحتفال حتى تعود الأسئلة الحقيقية لتطفو على السطح: هل تكريم المرأة مجرد طقس احتفالي عابر؟ أم أنه التزام أخلاقي وثقافي واجتماعي يتجسد في الممارسة اليومية؟
الحقيقة التي لا يمكن القفز عليها هي أن تحويل هذا اليوم إلى مهرجان للبهرجة الرمزية يفرغه من معناه العميق. فـ 8 مارس لم يولد ليكون مناسبة لتبادل الورود والكلمات الجميلة، بل نشأ من رحم نضالات طويلة خاضتها النساء في مختلف أنحاء العالم من أجل الكرامة والحقوق والعدالة الاجتماعية. إنه يوم للتذكير بالتاريخ النضالي للمرأة، لا لتزيين الواجهة بخطاب عاطفي سرعان ما يتبخر.
إن أخطر ما في هذه المناسبة هو عندما تتحول إلى طقس اجتماعي للاستهلاك الخطابي؛ حيث يتبارى الجميع في الإشادة بدور المرأة، بينما تظل الكثير من النساء يعانين من التهميش أو الإقصاء أو ضعف التمكين الحقيقي في مواقع القرار والإبداع والإنتاج. فالتكريم الذي لا يترجم إلى سياسات، ولا يتحول إلى فرص فعلية، يبقى مجرد مجاملة موسمية.
الإنصاف الحقيقي للمرأة لا يقاس بعدد الندوات التي تعقد في هذا اليوم، ولا بعدد الصور التي تنشر على صفحات التواصل الاجتماعي، بل يقاس بمدى حضور المرأة في الفضاء العام، في الثقافة، في الاقتصاد، في الإبداع، وفي صناعة القرار. يقاس بقدرتها على العمل في بيئة تحترم كرامتها، وتقدّر كفاءتها، وتمنحها فرصاً متكافئة لإثبات ذاتها.
وإذا نظرنا إلى المشهد الثقافي والفني، سنجد أن المرأة المبدعة كثيراً ما تكون حاضرة في العطاء، لكنها أقل حضوراً في دوائر الاعتراف والتقدير. فهي تكتب وتمثل وتخرج وتبدع، لكنها لا تزال في كثير من الأحيان تواجه عوائق غير مرئية تضعها في هامش المشهد بدل مركزه. وهنا يصبح السؤال مشروعاً: هل نحتفل بالمرأة المبدعة في يوم واحد، أم نفتح لها أبواب الاعتراف الحقيقي طوال السنة؟
إن 8 مارس يجب أن يكون مناسبة للمراجعة الصادقة لا للاحتفال الفارغ؛ مناسبة نسائل فيها أنفسنا: ماذا قدمنا فعلاً للمرأة؟ وما الذي ما زال ينتظر الجرأة في الإصلاح والتغيير؟ لأن المجتمعات التي تحترم نساءها لا تحتاج إلى تذكير موسمي بقيمتهن، بل تجعل هذا الاحترام جزءاً من ثقافتها اليومية.
وفي النهاية، يظل الاحتفال جميلاً إذا كان صادقاً، لكنه يصبح بلا معنى إذا كان مجرد قناع يخفي واقعاً لم يتغير. فالمرأة لا تحتاج إلى يوم واحد من المجاملات، بل تحتاج إلى مسار دائم من الاعتراف والإنصاف والتمكين.
وآن الأوان أن نفهم أن تكريم المرأة لا يكون بالورود في الثامن من مارس، بل بفتح الأبواب أمام طاقتها وإبداعها في كل أيام السنة.
Exit mobile version