النظام الجزائري وصناعة العدو… حين تتحول الأزمات إلى وسيلة حكم

ادارة النشر24 مارس 2026آخر تحديث :
النظام الجزائري وصناعة العدو… حين تتحول الأزمات إلى وسيلة حكم
إدريس طيطي/مجرد راي
في خضم الجدل الذي رافق تتويج الاتحاد الإفريقي لكرة القدم للمنتخب المغربي بلقب كأس أمم إفريقيا، لم يكن المشهد مجرد اختلاف في وجهات النظر الرياضية، بل كشف مرة أخرى عن نهج واضح يعتمده النظام الجزائري في إدارة الرأي العام الداخلي، قائم على خلق عدو خارجي دائم، وتوجيه الأنظار بعيداً عن الإشكالات الحقيقية.
فبدل أن يُطرح النقاش حول واقع اقتصادي واجتماعي يزداد تعقيدا، يتم ضخ خطاب مكثف يعيد إنتاج فكرة “العدو الكلاسيكي”، حيث يقدم المغرب كسبب مباشر أو غير مباشر لكل الإخفاقات. هذا الخطاب لم يعد مجرد توتر سياسي عابر، بل تحول إلى ثقافة مُغذّاة عبر سنوات من الإعلام الموجه، حتى أصبح جزءا من وعي شريحة واسعة من المواطنين.
المفارقة الصادمة أن هذا التجييش الإعلامي يتزامن مع معاناة يومية يعيشها المواطن الجزائري، حيث لا تزال مشاهد الطوابير حاضرة: انتظار الحليب، الزيت، الماء، وأحيانا الغاز. واقع يختزل أزمة حقيقية، لكنه يقابل في المقابل بواقع افتراضي موازٍ، تخاض فيه معارك رقمية على منصات مثل فيسبوك، حيث يتم استنفار الطاقات في التعليق والتفاعل، بدل مساءلة الواقع.
هذا التناقض ليس عفويا، بل هو نتيجة توظيف ممنهج للإعلام. فقد تحولت بعض المنصات إلى أدوات تعبئة، يغذيها مؤثرون وصفحات تستفيد من استمرار التوتر، وتعيش على صناعة الأزمات. كل صوت مخالف يتم تخوينه، وكل محاولة لطرح نقاش عقلاني تقابل بحملات تشويه، وكأن المطلوب ليس البحث عن الحقيقة، بل فرض رواية واحدة.
وفي خضم هذا المشهد، يتم الزج بدول أخرى في هذا الصراع، مثل السنغال، التي قد تجد نفسها ضحية لهذا التوظيف الإعلامي. فبدل التعامل مع ملفها في إطاره القانوني، يتم دفعها إلى مسارات قد تزيد من تعقيد وضعها، في وقت يفترض فيه الحفاظ على علاقاتها الطبيعية، خاصة مع بلد كالمغرب، تجمعه بها روابط تاريخية وثقافية وروحية عميقة.
إن ما يثير الاستغراب ليس فقط هذا السلوك، بل استمراريته رغم وضوح نتائجه. فخلق عدو خارجي قد ينجح مؤقتا في توحيد الجبهة الداخلية، لكنه لا يقدم حلولا حقيقية، بل يؤجل الأزمات ويعمقها. ومع مرور الوقت، يتحول هذا الخطاب إلى عبء، لأنه يبني وعيا قائما على الوهم، لا على الواقع.
اليوم، لم يعد خافيا على المتتبعين أن هذا النهج أصبح مكشوفا، ليس فقط إقليميا، بل دوليا. فالعالم بات يميز بين التنافس المشروع، وبين توظيفه كأداة لصناعة الأزمات.
يبقى السؤال الحقيقي: إلى متى يمكن الاستمرار في إقناع شعب بأن مشكلته خارج حدوده، بينما واقعه اليومي يقول العكس؟
اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة