إدريس طيطي
الحلقة الأولى
حين تتزاحم الهموم، ويضيق صدري بما لا يُقال، أهرب… لا إلى مكان محدد، بل إلى شوارع المدينة، أذرعها بخطى تائه يعرف أن السير وحده يخفف، حتى وإن لم يُفضِ إلى شيء.
كان الليل يميل إلى الهدوء البارد، حين استوقفتني فتاة في عمر الزهور.
نظرت إليّ، كأنها تعرفني منذ زمن، وسألت:
– “هل أنت وحدك؟”
أجبتها بابتسامة قصيرة:
– “وماذا ترين؟”
قالت:
– “وأنا أيضًا… وحدي. هل تحتاج من يؤنسك؟”
سألتها بهدوء:
– “هل تبحثين عن المال؟ أم الرفقة؟”
أجابت بصراحة لم تُخفِ انكسارها:
– “أريدهما معًا.”
أدخلت يدي في جيبي، وأخرجت ورقة نقدية من فئة 20 درهمًا، وناولتها إياها.
نظرت إليها بازدراء ناعم، وقالت:
– “وماذا أفعل بهذه؟”
قلت ببساطة:
– “قد تشترين بها وجبة تسد الجوع.”
نظرت إليّ، وكأنها تقول لي: “أنت لم تفهم بعد…”
قلت لها:
– “هذه ظروفي… وأنتِ تعلمين.”
قالت، بصوت خافت:
– “يعني… لا شيء؟”
أردت أن أوضح لها أنني لا أراها كما اعتادت أن تُرى.
قلت لها:
– “نظرتي إليك هي نظرة أب لابنته. فرق السن بيننا لا يترك لي مجالًا آخر للرؤية.”
كانت تفهم، لكنها لم تكن تبحث عن فهمي… كانت تبحث عن صفقة.
أما أنا، فقد رأيت فيها طفلة نضجت قبل أوانها، دفعتها قسوة الحياة إلى أن تتعلم ما لا يليق بعمرها.
تسمّرت في مكانها، كأن شيئًا ما في كلماتي أصابها.
ثم سألت:
– “إلى أين تمضي؟”
قلت:
– “لآكل شيئًا بسيطًا… أهدئ به هذا الليل.”
قالت:
– “أنا أيضًا جائعة… خذني معك.”
سرنا معًا.
شعرت بها تحاول أن تمسك بيدي. توقّفت. نظرت إليّ، وابتسمت، وسحبت يدها دون أن أقول شيئًا.
واصلنا السير في شارع شبه خالٍ، تحت ضوء أصفر خافت.
دخلنا مطعمًا صغيرًا. العيون تسألنا دون صوت: “ما الذي يجمع بين هذا الرجل الستيني وتلك الفتاة؟”
جلسنا. طلبت شاورما، وكذلك فعلت.
بدأت تأكل بجوع لم أعرف إن كان جوع بطن أم جوع حياة…
وأنا أراقبها، رأيت في عينيها صورة طفلة أعرفها… لا أعلم من أين… ربما من ذاكرتي، ربما من حياة لم أعشها بعد.
سألتني فجأة:
– “ما مهنتك؟”
قلت:
– “أنا كاتب.”
قالت:
– “تكتب شكاوى الناس؟”
ضحكت:
– “أحيانًا… لكني أكتب قصصًا وروايات.”
سألت:
– “ومن أين تأتيك القصص؟”
قلت:
– “من الناس.”
قالت:
– “أعتقد أن الناس لا يقولون كل شيء…”
قلت:
– “دائمًا هناك شيء لا يُقال.”
بعد العشاء، أرادت أن تدفع. رفضت، لكنها أصرت، قائلة:
– “ما المشكل إذا دفعت البنت عن أبيها؟”
حينها، عرفت أنها فهمت الرسالة تمامًا…
ربما لن أراها مرة أخرى،
لكنني متأكد أن هذا اللقاء، وإن بدا عابرًا، لم يكن عاديا
