إدريس طيطي -مجرد رأي –
أن تعود إلى وطنك بعد غياب، فهذا في حد ذاته اعتراف بأن في الوطن شيئا لم تستطع الغربة أن تمحوه.
تعود لترى الوالدين، والأهل، والأصدقاء، والأحياء التي تركتها خلفك، وتستعيد شيئا من الذاكرة التي حملتها معك إلى بلاد المهجر. تعود لأن الوطن، مهما ابتعدت عنه، يبقى في مكان ما داخلك.
لكن ماذا يحدث حين يتحول هذا الشوق إلى خطاب يدعو الآخرين إلى الهروب؟
هنا تبدأ الأسئلة.
الكلام الذي صدر عن أحد العائدين إلى المغرب في عطلة لم يكن مجرد انتقاد للأوضاع الاجتماعية والاقتصادية، وهي أمور من حق أي مواطن أن ينتقدها، بل حمل في بعض عباراته لغة قاسية ومحبطة، وصلت إلى حد الحديث عن الهروب الجماعي، وتصوير المغرب وكأنه وطن لا مستقبل فيه إلا لمن يملك المال والنفوذ.
نعم، في المغرب مشاكل.
نعم، هناك فساد.
نعم، هناك أخطاء واختلالات، وهناك شباب يشعرون أحيانا بالاختناق أمام البطالة وغلاء المعيشة وصعوبة الوصول إلى فرص عادلة.
ومن يقول إن المغرب بلا مشاكل فهو إما لا يرى الواقع أو لا يريد أن يراه.
لكن الاعتراف بالمشاكل شيء، وتحويل الوطن كله إلى صورة سوداء شيء آخر.
من حقك أن تنتقد وطنك، ولكن بأي لغة؟
من حقك أن تقول إن هناك فسادا، وأن تطالب بالإصلاح، وأن تنتقد الحكومة، وأن تنتقد الإدارة، وأن تقول إن فرصا كثيرة غير متكافئة.
كل ذلك يدخل في صميم حرية التعبير.
لكن أن تصل إلى مخاطبة الناس بمنطق: “إلا لقيتي الهربة هرب”، وأن تحدد موعدا وكأن البلاد كلها ستفرغ من أهلها، وأن تصف المغاربة وكأنهم جميعا ينتظرون لحظة فتح الحدود حتى يهربوا، فهنا لا يعود الأمر مجرد نقد.
إنه خطاب يزرع اليأس. وتحريض جلي لا يختلف فيه إثنان.والأخطر من ذلك أنه يصدر من شخص جاء إلى المغرب في عطلة، كما يقول بنفسه، ليرى والديه وأحبابه.
وهنا المفارقة التي تستحق التوقف.
إذا كان الوطن بهذه الصورة التي ترسمها، فلماذا جئت إليه؟
لماذا قطعت المسافات؟
لماذا اشتقت إلى الوالدين والحباب؟
لماذا عدت إلى الشوارع والبيوت والذاكرة؟
أليس في ذلك دليل على أن الوطن ليس مجرد مؤسسات وإدارات وغلاء وفساد؟
الوطن أيضا أم وأب، وطفولة، وذكريات، ولهجة، ووجوه، وقبور أحبة، ورائحة مكان لا تعوضها أوروبا ولا سويسرا ولا أي بلد آخر.
ولذلك، حين نتحدث عن الوطن، علينا أن نفرق بين الدولة والوطن.
قد نختلف مع حكومة.
قد نغضب من مسؤول.
قد ننتقد إدارة.
قد نحتج على الفساد.
وقد نطالب بتغيير سياسات بأكملها.
لكن الوطن أوسع من كل هؤلاء.
الوطن ليس أخنوش، وليس وزيرا، وليس الموظف، وليس المسؤول، وليس “مول الحوت”، كما ورد في الكلام المتداول في الفيديو …قال غادي يبقى غير اخنوش أو مول الحوت..ما معنى ذلك ..
الوطن اكبر بكثير ..الوطن هو الناس. و الارض. البحر ،الحجر ، الرمل والهواء وكل شيئ……
. المغربي البسيط الذي يستيقظ في الخامسة صباحا ويذهب إلى عمله، وهو الفلاح، والعامل، والمدرس،ورجل الامن والطبيب، ورجل قانون. والحرفي، والمهندس والتاجر،. المحامي والطالب، والأم التي تنتظر ابنها، والأب الذي يكافح من أجل أسرته.
هؤلاء هم الوطن.
ولهذا فإن انتقاد المسؤولين شيء، وتحميل الوطن كله مسؤولية أخطاء السياسيين شيء آخر.
ثم هناك سؤال آخر أكثر حساسية:
هل الهجرة اختيار أم أصبحت قدرا محتوما؟
الهجرة ليست عيبا.
ومن حق الإنسان أن يبحث عن مستقبله حيث يشاء.
لكن لا يجوز أن تتحول الهجرة إلى عقيدة، ولا أن يصبح النجاح مرتبطا دائما بمغادرة الوطن، وكأن من بقي فيه قد حكم على نفسه بالفشل.
كم من مغربي نجح في بلده؟
وكم من مغربي في الخارج ما زال يحلم بالعودة؟
وكم من مغربي هاجر ثم اكتشف أن الغربة ليست الجنة التي تخيلها؟
لا توجد بلاد كاملة.
أوروبا فيها مشاكلها.
وسويسرا فيها مشاكلها…وليس كما ورد في الفيديو ان تصور سويسرا جنة .
والهجرة فيها الوحدة، والضغط، والتمييز أحيانا، وصعوبة الاندماج، وحنين لا يعترف به كثيرون إلا عندما يبتعدون.
ولذلك لا يصح أن نبيع للشباب وهما جديدا: أن كل شيء يبدأ بمجرد عبور بوابة الحدود.
ليست كل بوابة تؤدي إلى المستقبل، كما أن البقاء في الوطن ليس حكما بالإعدام على المستقبل.
أما الجالية المغربية، فهي أكبر من هذا الخطاب بكثير.
الجالية التي ينتظرها الوطن ليست جالية تعود فقط لتستنزف ما تبقى من طاقتها ثم تغادر، وليست جالية تأتي لتقول للمغاربة: “اهربوا”.
الجالية التي اشتاق إليها الوطن هي تلك التي تعود بشيء من خبرتها، واستثماراتها، وأفكارها، وعلاقاتها، ونجاحاتها، وتساهم في بناء بلدها.
هي التي تقول للشاب المغربي: يمكنك أن تنجح هنا، ويمكنك أن تهاجر أيضا إذا كان ذلك اختيارك، لكن لا تجعل اليأس عقيدتك.
نحن لا نريد جالية تمدح كل شيء.
ولا نريد جالية تصفق للمسؤولين.
ولا نريد من مغاربة العالم أن يسكتوا عن الفساد أو الظلم أو الاختلالات.
نريد منهم أن يكونوا صوتا للنقد البناء، وصوتا للإصلاح، وجسرا بين المغرب والعالم.
أما أن يعود الإنسان إلى وطنه، ثم يقضي عطلته في إقناع أهله وأبناء بلده بأن “الهربة” هي الحل الوحيد، فالسؤال هنا ليس: هل يحق له أن يتكلم؟
بالطبع يحق له.
السؤال الحقيقي هو:
ما الغاية من هذا الكلام؟
هل هو غضب عابر؟
هل هو تجربة شخصية؟
هل هو نقد اجتماعي؟
أم أنه خطاب يريد أن يقنع الناس بأن بلادهم لا تستحق إلا الرحيل؟
إذا كان الكلام ناتجا عن تجربة مؤلمة، فلنتناقش فيها.
إذا كان وراءه مشروع إصلاحي، فلنسمعه.
إذا كان يحمل مقترحات، فلنناقشها.
أما إذا كان مجرد جلد للوطن، وتحقيرا لكل ما فيه، ودعوة إلى الهروب الجماعي، فهنا يصبح من حقنا أيضا أن نقول:
لا، ليس هكذا نخاطب الوطن.
انتقد كما تشاء.
اختلف كما تشاء.
عارض كما تشاء.
طالب بالإصلاح كما تشاء.
لكن لا تهين أمك ثم تقول إنك جئت فقط لأنك اشتقت إليها.
الوطن قد يخذل أبناءه أحيانا، وقد يقصر في حقهم، وقد يحتاج إلى إصلاحات عميقة، لكن ذلك لا يعطي أحدا الحق في تحويله إلى شتيمة جماعية.
بلادي وإن جارت علي عزيزة، وأهلي وإن ضنوا علي كرام.
ليس المطلوب أن نعيش في وهم أن المغرب كامل.
المطلوب فقط ألا يتحول نقد المغرب إلى كراهية للمغرب.
وألا يتحول الشوق إليه إلى منصة للتحريض على الهروب منه.
فإذا كان الوطن يحتاج إلى إصلاح، فإن أول خطوة في الإصلاح ليست أن نغلق الباب ونقول للجميع: اهربوا.
بل أن نسأل:
كيف نجعل من يريد الهجرة يختارها، لا أن يشعر بأنها فريضة؟
وكيف نجعل من يريد البقاء يجد كرامته؟
وكيف نجعل من يعيش في الخارج يعود لأنه يريد أن يساهم، لا لأنه جاء ليخبر أبناء بلده بأن وطنهم انتهى؟
ذلك هو النقاش الذي يستحقه المغرب.
أما الوطن، فمهما اختلفنا حوله، يبقى وطنا.
ومن اشتاق إليه حتى عاد إليه في عطلته، عليه أن يتذكر شيئا بسيطا:
أنت لم تعد إلى الخراب… أنت عدت إلى وطن قلت بنفسك إنك اشتقت إليه.
#يا_مغاربة_لنهرب_جميعا
#الوطن
#المغرب
#المغاربة
#مغاربة_العالم
#الجالية_المغربية
#حب_الوطن
#الوطنية
#الهجرة
#الهجرة_المغربية
#حرية_التعبير
#النقد_البناء
#الإصلاح
#المغرب_أولا
#صوت_المغاربة
#المغرب_بلادنا
#لا_للتحريض
#لا_لخطاب_اليأس
#الحصاد24
