الحصاد 24

هل يضيع دم الشعب السوري هدرا؟ لماذا لم تفتح دمشق ملف محاسبة الجزائر ووكيلتها البوليساريو؟

alt=
بقلم: إدريس طيطي – مجرد رأي
بطبيعة الحال، والشعب السوري يتابع مسار محاسبة رموز نظام بشار الأسد، لا يمكن أن تكتمل العدالة بالاقتصار على من أصدر الأوامر ونفذها داخل سوريا، إذا كانت هناك أطراف خارجية ساهمت في دعم النظام السابق أو شاركت عناصرها في القتال إلى جانبه. فدماء السوريين ليست ملفا داخليا يمكن إغلاقه بالتقادم أو تجاوزه تحت ضغط المصالح السياسية، وحق الضحايا لا يقبل المساومة أو النسيان.
لقد كشفت تقارير إعلامية وتحقيقات منشورة، من بينها تقارير استندت إلى وثائق سورية تعود إلى سنوات الحرب، عن مشاركة عناصر من جبهة البوليساريو في القتال إلى جانب قوات نظام بشار الأسد، ضمن شبكة من العلاقات والدعم المرتبطة بالجزائر وإيران وحزب الله. وهذه المعطيات تضع البوليساريو في قلب أسئلة ثقيلة بشأن دورها في الحرب السورية، كما تفتح الباب أمام مساءلة الجزائر باعتبارها الحاضن السياسي لهذه الجبهة والداعم لها.
إن الحديث هنا ليس عن خلاف دبلوماسي عابر، ولا عن سجال إعلامي ينتهي بانتهاء نشر الأخبار، بل عن قضية تتصل بضحايا سوريين دفعوا حياتهم ثمنا لحرب مدمرة، وبحق دولة وشعب في معرفة من شارك في مأساتهم، ومن ساند النظام الذي مارس القمع والقتل والتنكيل بحقهم.
وفي هذا السياق، لا يمكن تجاهل زيارة وزير الخارجية الجزائري أحمد عطاف إلى دمشق في فبراير 2025، بصفته مبعوثا للرئيس عبد المجيد تبون، ولقائه بالرئيس السوري أحمد الشرع. فقد تزامنت الزيارة مع تداول تقارير إعلامية عن مساع جزائرية لإطلاق سراح جزائريين وعناصر من البوليساريو قيل إنهم كانوا يقاتلون إلى جانب قوات النظام السابق. وهي تقارير نفتها الجزائر، لكن ورودها في هذا السياق يجعل من حق السوريين المطالبة بتوضيحات رسمية، وبكشف حقيقة ما جرى، بعيدا عن لغة المجاملة الدبلوماسية.
فإذا كانت الجزائر قد جاءت إلى دمشق لتعلن تضامنها مع سوريا الجديدة، فإن التضامن الحقيقي يبدأ باحترام حق السوريين في العدالة، لا بالبحث عن مخارج سياسية لمن يشتبه في مشاركتهم في القتال إلى جانب نظام ارتبط اسمه بجرائم واسعة ضد شعبه. ولا ينبغي أن تتحول العلاقات بين الدول إلى ستار يحجب الحقيقة أو يمنح الحصانة لمن قد تثبت مسؤوليته عن انتهاكات جسيمة.
أما البوليساريو، التي تقدمها الجزائر بوصفها حليفا سياسيا وتوفر لها الدعم، فلا يجوز أن تكون فوق المساءلة إذا ثبت أن عناصر منها شاركت في جرائم بحق السوريين. ومن هنا يبرز السؤال الجوهري: هل تتحمل الجزائر مسؤوليتها السياسية والأخلاقية عن أي دور ثبت أنها اضطلعت به في تسهيل انتقال هذه العناصر أو دعم مشاركتها؟ وهل ستتعامل دمشق مع هذا الملف باعتباره قضية حقوق وعدالة، أم ستتركه رهينة الحسابات السياسية؟
إن القيادة السورية الجديدة، برئاسة أحمد الشرع، مطالبة اليوم بألا تفرط في حقوق السوريين، وألا تسمح بأن تطوى هذه القضية قبل كشف الحقيقة ومحاسبة المسؤولين عنها. والمطلوب هو فتح ملف واضح وشامل، والتحقيق في الوثائق والاعترافات والتقارير المنشورة، وتحديد المسؤوليات الفردية والمؤسساتية، وإحالة كل من تثبت مسؤوليته إلى القضاء المختص، وفق القانون وضمانات المحاكمة العادلة.
وإذا ثبت تورط عناصر من البوليساريو في جرائم بحق السوريين، فإن المطلوب هو محاسبتهم، ومطالبة الجهة التي ثبت دعمها أو تسهيلها لتلك المشاركة بتحمل مسؤوليتها. كما أن الاعتذار الرسمي وجبر الضرر والتعويض المالي العادل، بما يتناسب مع حجم الأضرار والمسؤولية المثبتة، مطالب مشروعة لا ينبغي إسقاطها من النقاش. فالتعويض ليس ثمنا للدماء، ولا يمكن لأي مبلغ أن يعيد الضحايا إلى أسرهم، لكنه جزء من الاعتراف بالمسؤولية ورد الاعتبار للمتضررين.
ولا يعني فتح هذا الملف استهداف الشعب الجزائري أو تحميله مسؤولية قرارات حكامه، بل يعني وضع الوقائع أمام القضاء والتاريخ، والفصل بين الشعوب وبين السياسات التي قد ترتكب باسمها. كما أن العدالة السورية لا ينبغي أن تكون انتقائية، فتلاحق طرفا وتتغاضى عن طرف آخر بسبب حسابات السياسة أو العلاقات الخارجية.
لقد عانى السوريون ما يكفي من الحرب والقتل والتهجير، ولا يجوز أن يضاف إلى مأساتهم صمت سياسي يترك أسئلة خطيرة بلا جواب. وإذا كانت سوريا الجديدة تريد بناء دولة القانون، فإن ذلك يبدأ بإنصاف الضحايا، ومحاسبة كل من ثبت تورطه، أيا كانت جنسيته أو الجهة التي تقف وراءه.
إن حق السوريين ليس ورقة تفاوض، ودماء أبنائهم ليست تفصيلا في العلاقات الجزائرية السورية. وعلى أحمد الشرع أن يجعل من هذا الملف اختبارا حقيقيا لالتزام الدولة الجديدة بالعدالة الانتقالية، وأن يطالب بكشف الحقيقة كاملة، وبالاعتذار وجبر الضرر والتعويض متى ثبتت المسؤولية.
فهل تفتح دمشق هذا الملف إلى نهايته، وتضع حقوق السوريين فوق كل اعتبار، أم أن المصالح السياسية ستتقدم مرة أخرى على حق الضحايا في العدالة؟
#سوريا #الشعب_السوري #أحمد_الشرع #بشار_الأسد #الجزائر #أحمد_عطاف #البوليساريو #محاسبة_نظام_الأسد #العدالة_الانتقالية #حقوق_الضحايا #جرائم_الحرب #جبر_الضرر #التعويضات #سوريا_الجديدة #إدريس_طيطي
Exit mobile version