هل بات الكذب سياسة مسؤولون يبيعون الوهم ويشترون الوقت
بقلم/ سيداتي بيدا
هناك مسؤولون لا يحتاجون إلى عصا سحرية لإدارة الأزمات؛ يكفيهم قاموس من الوعود، وابتسامة دبلوماسية، وذاكرة يعتقدون أنها قصيرة عند المواطنين.
يعدون كثيرًا، يشرحون أكثر، ثم يفعلون أقل.
وهنا تحديدًا تبدأ الحكاية السوداء.
لم يعد الوعد عند بعض المسؤولين عهدًا ينتظر التنفيذ، بل أصبح أداة لتدبير الغضب وتأجيل الاحتجاج وإسكات الأسئلة المحرجة. كلما ارتفعت الأصوات، خرج وعد جديد. وكلما اقترب موعد المحاسبة، وُلدت لجنة جديدة. وكلما طال الانتظار، ظهرت عبارة سحرية اسمها «قيد الدراسة».
يا لها من دراسة طويلة لا تنتهي!
المواطن ينتظر مشروعًا، والمسؤول يطلب الصبر. ينتظر حلًا، فيُمنح موعدًا. يسأل عن الموعد، فيُمنح موعدًا آخر. وحين يكتشف أن الموعدين كانا مجرد سراب إداري، يُقال له بكل برودة أعصاب: «الأمور تسير في الاتجاه الصحيح».
أي اتجاه هذا؟
إن أخطر ما يمكن أن يصيب الإدارة ليس فشل مشروع، بل سقوط قيمة الكلمة. فالفشل قد يُعالج، والتعثر قد يُصحح، والخطأ يمكن الاعتذار عنه. أما حين يصبح الكذب منهجًا متكررًا، فإن المؤسسة لا تخسر مشروعًا فقط، بل تخسر هيبتها ومصداقيتها.
المسؤول الذي يعرف أنه لن ينفذ وعده ثم يقدمه للناس، لا يمارس السياسة، بل يمارس العبث. والذي يَعِد المواطن فقط لشراء الهدوء المؤقت، لا يدير أزمة، وإنما يؤجل انفجارها.
والأكثر استفزازًا أن بعض أصحاب القرار يتصرفون وكأن المواطن لا يتذكر. وكأن الوعود تُمحى بمجرد انتهاء الاجتماع، وكأن التصريحات تختفي من الذاكرة بمجرد مغادرة الكاميرات.
لكن زمن النسيان انتهى.
اليوم، الكلمة تُوثق، والوعد يُستعاد، والتصريح يمكن أن يعود إلى صاحبه في اللحظة التي يظن فيها أنه أصبح بمنأى عن المساءلة. لم تعد الذاكرة الشعبية بحاجة إلى دفاتر أرشيف؛ يكفي هاتف صغير ليضع المسؤول أمام مرآة تصريحاته القديمة.
ومن هنا، فإن المسؤولية الحقيقية لا تبدأ أمام الميكروفون، بل بعد انطفاء الكاميرا. هناك فقط يظهر معدن المسؤول هل يلتزم؟ هل يعتذر؟ هل يشرح؟ أم يختبئ خلف الجدران الإدارية ويترك المواطن يطارد سراب الوعود؟
المواطن لا يريد مسؤولًا خارقًا، بل مسؤولًا صادقًا.
لا يريد وعودًا ضخمة، بل أفعالًا ملموسة.
ولا يريد ابتسامات رسمية تُوزع في المناسبات، بل احترامًا حقيقيًا لعقله وكرامته وحقه في معرفة الحقيقة.
فالمنصب مهما علا لا يمنح صاحبه حصانة أخلاقية، والكرسي مهما ارتفع لا يرفع صاحبه فوق المساءلة.
ومن جعل الكذب سلّمًا للصعود، سيكتشف متأخرًا أن الحقيقة كانت تنتظره عند أول درجة للنزول. #الكذب_السياسي #مجرد_رأي #المسؤولية #المساءلة #الوعود #مصداقية_المسؤول #الحكامة #المواطن #الشفافية #الحقيقة #محاربة_الفساد #المصلحة_العامة #صوت_المواطن #احترام_المواطن #المساءلة_الشعبية #سياسة_الوعود #شراء_الوقت #تدبير_الأزمات #الإدارة #المغرب