ادريس طيطي – رياضة –
مما لا شك فيه أن المنتخب المغربي فرض نفسه خلال السنوات الأخيرة كقوة حقيقية في كرة القدم الحديثة، غير أن هذا التحول يضعه اليوم أمام امتحان من نوع خاص، امتحان النضج في التعامل مع النجاح. فالمطلوب ليس السقوط في فخ الثقة الزائدة أو المبالغة في تقييم الذات، لأن ذلك قد يقود، دون قصد، إلى التقليل من شأن المنتخبات المنافسة، وهو خطأ تقع فيه منتخبات كثيرة عند لحظات التحول. وفي المقابل، فإن الابتعاد عن هذا الفخ لا يعني التراجع أو التشكيك، بل يفرض الإيمان الهادئ بقدرات المنتخب، والثقة في مشروعه، وفي حقه المشروع في السعي لتحقيق حلم وطن بأكمله. هذا التوازن بين الواقعية والطموح يمكن أن يشكل مصدر قوة حقيقية لأسود الأطلس إذا أُحسن التعامل معه.
ومن هنا، دعونا نكن صرحاء ومنطقيين في قراءتنا للمشهد الكروي، بعيدا عن الحنين أو المقارنات العاطفية. فمنتخب الأمس ليس هو منتخب اليوم، لا في الشخصية، ولا في الطموحات، ولا في الطريقة التي ينظر بها العالم إليه. وما تحقق لم يعد مجرد لحظات تاريخية نتغنى بها، بل أصبح واقعا جديدا يفرض نقاشا مختلفا، ومعايير مختلفة، وانتظارات أكبر.
عندما نقول إن المغرب أصبح رقما صعبا في كرة القدم العالمية، فإننا لا نقول ذلك بدافع الحماس أو المجاملة، وإنما لأن الوقائع أصبحت تؤكد ذلك. فهناك فرق كبير بين منتخب يطمح إلى مفاجأة الكبار، ومنتخب أصبح الكبار أنفسهم يضعونه ضمن حساباتهم قبل أي بطولة أو مواجهة.
لقد كان هناك زمن كانت الجماهير المغربية تفرح فيه بالتعادل أمام المنتخبات الكبرى، وتعتبر الخسارة بأقل الأضرار نتيجة مقبولة أمام مدارس كروية صنعت تاريخ اللعبة. أما اليوم فقد تغيرت المعادلة بشكل واضح. لم يعد المغرب يدخل المباريات الكبرى بعقدة التفوق التاريخي للمنافس، بل يدخلها بثقة مبنية على ما راكمه من تجارب وإنجازات، وعلى قناعة بأنه قادر على مجاراة أي منتخب في العالم.
ولعل ما يرافق المواجهة المرتقبة بين المغرب والبرازيل في كأس العالم 2026 خير دليل على هذا التحول. فالمباراة لا تحظى بهذا الاهتمام العالمي فقط بسبب اسم البرازيل وتاريخها العريق، بل أيضا بسبب المكانة التي أصبح يحتلها المنتخب المغربي في نظر المتابعين والخبراء ووسائل الإعلام الدولية. لقد أصبح المغرب طرفا أساسيا في واحدة من أكثر مباريات دور المجموعات إثارة وانتظارا، وهذا في حد ذاته يعكس حجم التحول الذي عرفته كرة القدم الوطنية.
الأمر لم يعد مرتبطا فقط بإنجاز نصف نهائي مونديال قطر، بل بطريقة استمرار المنتخب المغربي في فرض احترامه داخل الساحة الدولية. فالكثير من المنتخبات الكبرى أصبحت تدرك أن مواجهة أسود الأطلس ليست مباراة عادية يمكن حسمها بالأسماء أو التاريخ، وإنما مواجهة تحتاج إلى إعداد خاص وتركيز كبير واحترام كامل للمنافس.
هذا هو الفرق الحقيقي بين الأمس واليوم. ففي السابق كنا ننشغل بما إذا كانت البرازيل أو الأرجنتين أو ألمانيا ستسمح لنا بمجاراة إيقاعها، أما اليوم فإن الإعلام والجماهير وحتى المحللين في تلك البلدان يتساءلون بدورهم عن الطريقة التي يمكن بها تجاوز المنتخب المغربي أو الحد من خطورته.
وهنا يكمن الإنجاز الحقيقي. فالإنجاز لا يتمثل فقط في الفوز بمباراة أو بلوغ دور متقدم، بل في أن تتحول إلى منتخب يفرض حضوره في حسابات الكبار، ويجبرهم على التفكير فيه قبل مواجهته. إنها نقلة نوعية لا تصنعها الصدفة ولا تتحقق بين ليلة وضحاها، بل هي ثمرة عمل طويل وتراكم مستمر.
ومع ذلك، فإن هذه المكانة الجديدة يجب أن تكون حافزا لمزيد من العمل لا سببا للاكتفاء بما تحقق. فالمنتخبات الكبرى لم تصل إلى مكانتها بالتاريخ فقط، بل حافظت عليها بالاستمرارية والتطور الدائم. والمغرب مطالب اليوم بمواصلة هذا المسار بنفس الجدية والطموح، حتى يرسخ موقعه بين كبار كرة القدم العالمية.
لذلك، وبين الثقة والغرور، يبقى الخيار الصحيح هو الإيمان بقدرات المنتخب دون تهويل، والافتخار بما تحقق دون استصغار المنافسين. فالحقيقة التي أصبحت واضحة للجميع هي أن المغرب لم يعد مجرد منتخب يبحث عن مكان تحت الأضواء، بل أصبح رقما حقيقيا في المعادلة الكروية العالمية، ورقما لا يستطيع أحد تجاهله أو المرور عليه دون حساب.
لقد انتقل المغرب من مرحلة البحث عن مكان بين الكبار، إلى مرحلة جعل الكبار يحسبون له ألف حساب قبل أن يواجهوه.
#المنتخب_المغربي
#أسود_الأطلس
#كأس_العالم
#كرة_القدم
#المغرب_الرياضي
