الحصاد 24

“من فرحة الكرة إلى فوضى الشغب: اعتداء على الأمن وفساد في المدرجات”

alt=
ادريس طيطي – مجرد رأي –
ربما العديد من المغاربة سيصدمون بمجرد رؤية تلك المشاهد، وأنا واحد منهم. بل إن أول سؤال تسلل إلي، وأنا أتابع ما جرى، كان بسيطا ومؤلما في آن واحد: هل صحيح أننا كنا أمام فريقين مغربيين؟ هل كان الجيش الملكي والرجاء الرياضي يتواجهان داخل وطن واحد؟ لأن ما رأيناه لا يشبه ديربي مغربي، بل يوحي وكأننا أمام صراع بين خصمين من دولتين تفصل بينهما عداوة عميقة.
هذا الإحساس بالغربة هو أخطر ما في المشهد. نحن لم نعتد هذا القدر من الحقد داخل مدرجاتنا، لم نعتد أن يتحول التشجيع إلى مواجهة، ولا أن ينقلب الانتماء إلى سبب في العنف. كرة القدم كانت دائما مساحة للفرح، للاختلاف الجميل، لا للعداء الذي يهدد ما يجمعنا.
لكن، وسط كل هذه الفوضى، هناك صورة واحدة ظلت عالقة في ذهني أكثر من غيرها: رجل أمن يتعرض لاعتداء، فقط لأنه كان يؤدي واجبه. هذا الرجل لم يكن مع هذا الفريق أو ذاك، لم يكن يعنيه من سيفوز، لأن فوز الجيش الملكي أو الرجاء الرياضي هو في النهاية فرح مغربي مشترك. وجوده هناك لم يكن اختيارا ترفيهيا، بل التزام مهني يفرض عليه أن يكون في الصفوف الأولى، منذ الصباح الباكر، لتأمين الأجواء وحماية الجميع.
فكيف نكافئه بالاعتداء؟ كيف يتحول من جاء لحمايتنا إلى ضحية بين أيدينا؟

ما وقع داخل ملعب الأمير مولاي عبد الله لا يمكن اختزاله في “شغب جمهور”. نحن أمام سلوك يحتاج إلى وقفة صريحة، لأن الأمر لم يعد يتعلق بمباراة، بل بصورة بلد. ملعب حديث، أُعيد بناؤه بمواصفات عالمية، في سياق استعدادات كبرى، يتحول في لحظات إلى فضاء للفوضى والتخريب… أي رسالة نرسلها للعالم؟
نحن اليوم على أعتاب استحقاقات عالمية، من بينها كأس العالم 2030، حيث يراهن المغرب على مكانته وثقة شركائه. وقد تابعنا جميعا كيف أثارت سلوكيات عنصرية في بعض الملاعب الأوروبية، خصوصا في إسبانيا، نقاشا حادا حول أهليتها لاحتضان الافتتاح في هذا الحدث العالمي. يومها، كان المغرب يقدم كنموذج في التنظيم والرقي أثناء كاس افريقيا 2025، لكن ما عشناه اليوم يضعنا نحن أيضا أمام مرآة صعبة: هل نحافظ على تلك الصورة أم نسمح بتشويهها بأيدينا؟
الحقيقة التي يجب أن تقال، دون تردد، أن هذه الأفعال لا تمثل المغاربة. الأغلبية تحضر لتشجع، لتفرح، لتعيش لحظة كروية نظيفة. لكن قلة، تعرف كيف تختبئ وسط الحشود، تصر على جر الجميع إلى صورة لا تشبهنا.
والأخطر، أن نفس السيناريو يتكرر بعد كل حادث: سنرى آباء وأمهات أمام أبواب المحاكم، دموع وتوسلات، تبريرات جاهزة، وأصوات تحاول قلب الحقائق، بل واتهام رجال الأمن بدل مساءلة المعتدين. هذا المشهد لم يعد استثناء، بل أصبح جزءا من المشكلة.
وهنا يطرح سؤال آخر بقوة: هل الحل هو منع تنقل الجماهير؟
في تقديري، هذا أخطر من المشكل نفسه. لأن التنقل هو روح كرة القدم، هو الجسر الذي يربط بين مدن المغرب، وهو الذي يجعل الفرح مشتركا. ليس من حق “شردمة” منحرفة أن تحرم المغاربة من هذا الحق، ولا أن تفرض علينا واقعا من المنع بدل الفرح.
الحل ليس في المنع، بل في الحسم.
حسم قانوني وأمني واضح، يربط المسؤولية بالمحاسبة، دون تردد أو تمييع.
لأننا اليوم لا نتحدث عن مباراة انتهت، بل عن صورة بلد على المحك.
إما أن نحميها بسلوكنا وقراراتنا،
أو نتركها عرضة لكل من لا يدرك معنى الوطن.
لذلك، وكما قلت في البداية، قد تكشف الكاميرات والتحقيقات لاحقا من بدأ، لكن ما نحن أمامه الآن أكبر من ذلك: صورة لا يمكن إنكارها… وسؤال لن يختفي بسهولة: هل كنا فعلا فريقين من وطن واحد؟ أم أننا، في لحظة انفعال، نسينا ما يجمعنا؟
Exit mobile version