الحصاد 24

من سنلوم؟… وطن ينزف بين سلوكيات لا يقرها العقل وحكومة تلتزم الصمت.

alt=
ادريس طيطي – مجرد رأي –
هناك لحظات لا تكفي فيها الأخبار لشرح ما يحدث، ولا تكفي الصور لتفسير الألم. ما شهدناه في سبتة ليس مجرد أزمة هجرة، بل لحظة تستحق وقفة صادقة مع الذات، بعيدا عن المزايدات والاتهامات، لأن الأوطان لا تنزف من حدث واحد، بل من تراكم الأسئلة التي لا تجد إجابات.
ما زالت الصورة غير مكتملة. وما نتابعه من مشاهد الهجرة الجماعية نحو سبتة ومليلية ليس حدثا عاديا يمكن أن نمر عليه بخبر عابر أو بصورة تتداولها مواقع التواصل الاجتماعي. إنها لحظة مؤلمة، موجعة، تجعل الإنسان يقف طويلا أمام أسئلة أكبر من أن تختزل في تعليق أو منشور.
من سنلوم؟
هل سنلوم الحكومة التي يرى كثيرون أنها لم تستطع تقديم أجوبة مقنعة عن أوضاع اجتماعية واقتصادية تتراكم سنة بعد أخرى؟ أم سنلوم سوء التدبير الذي جعل فئات من المجتمع تفقد الأمل في الغد؟
أم سنلوم الآباء والأمهات الذين اندفع بعضهم نحو المجهول، يحملون أبناءهم الصغار أو آباءهم المسنين في رحلة لا أحد يعرف كيف ستنتهي؟
دعونا نكون صرحاء مع أنفسنا. هناك مشاهد لا يستطيع أي إنسان عاقل أن يتحملها.
كيف يمكن لرجل أن يحمل أمه المسنة على ظهره ويغامر بها وسط البحر؟ أي مصير ينتظر امرأة أنهكتها السنون إذا هاج البحر أو تعثرت الرحلة؟ بر الأم لا يكون بتعريضها للموت، بل بخدمتها، وصون كرامتها، والسعي من أجلها حيثما كان الرزق. البطولة الحقيقية ليست في أن تحملها نحو الأمواج، بل أن تحمل عنها أعباء الحياة.
والمشهد الأكثر قسوة هو رؤية أم تحمل طفلها الذي لم يتجاوز عاما أو عامين أو ثلاثة، وتتجه به نحو مياه لا ترحم. طفل في هذا العمر لا يستطيع حتى مقاومة برد الليل أو هبة ريح، فكيف سيقاوم أمواجا عاتية وخوفا وجوعا وفوضى؟ مهما كانت الظروف قاسية، ومهما اشتد اليأس، فلا شيء يمكن أن يبرر تعريض الأطفال لمثل هذا الخطر. هؤلاء لم يختاروا هذه الرحلة، ولم يقرروا هذا المصير.
قد تفسر الأزمات الاجتماعية والاقتصادية حالة اليأس التي يعيشها البعض، لكنها لا تبرر أبدا أن يصبح الأطفال وكبار السن ضحايا لمغامرة مجهولة.
وفي المقابل، لا يمكن أن نغفل حقيقة أخرى. هناك من استغل هذه المشاهد للسخرية من المغرب، ومن ضخم الأحداث دون أن يعرف حقيقة ما يجري، وكأن المأساة فرصة لتصفية الحسابات. هؤلاء لا يرون دموع الأمهات، ولا خوف الأطفال، ولا قلق الأسر التي تنتظر خبرا يطمئنها، بل يرون فقط ما يخدم خطابهم.
وفي خضم هذه الفوضى، يقف رجال ونساء الأمن، بمختلف مكوناتهم، في مواجهة وضع استثنائي، بين الكر والفر، يحاولون حماية الأرواح، وتطبيق القانون، ومنع تفاقم الأزمة. إنها مهمة صعبة في لحظة تختلط فيها الإنسانية بالمسؤولية.
كنت كلما أمسكت القلم، تتسابق الأفكار لأكتب عن المغرب الذي نفتخر به، عن منجزاته، عن شبابه، عن نجاحاته في الرياضة والاقتصاد والدبلوماسية، وعن وطن كان دائما يمنح أبناءه أسباب الاعتزاز.
أما اليوم، فأعترف أن الكلمات خانتني. لأول مرة أجد نفسي عاجزا أمام هذه المشاهد. أكتب، ثم أتوقف، لأن الصورة أكبر من الكلمات.
كيف وصل أطفال لا يعرفون حتى معنى الحياة إلى التفكير في الهروب منها؟ كيف أصبحت الحدود حلما؟ وكيف تحول البحر إلى باب نجاة في نظر من فقدوا الأمل؟
بالأمس فقط، كان المغاربة يلتفون حول منتخبهم الوطني، يرفعون العلم الأحمر تتوسطه النجمة الخضراء، ويهتفون باسم الوطن. كان الفرح يوحد الجميع. واليوم نستيقظ على صور شباب يركضون نحو المجهول، وأمهات ينتظرن رنين هاتف من ابن غاب خبره، وآباء لا يعرفون أين انتهى مصير فلذات أكبادهم، وأمهات حملن أطفالهن وسرن بهم في الطريق نفسه، وكأن اليأس أصبح أقوى من غريزة الخوف.
إن ما نعيشه اليوم ليس مجرد أزمة هجرة، بل هو جرس إنذار حقيقي. جرس يدعونا جميعا إلى وقفة تأمل، بعيدا عن المزايدات، وبعيدا عن تبادل الاتهامات، لأن الوطن لا يبنى بالصراخ، بل بالمصارحة والبحث عن الحلول.
ومن حق المغاربة اليوم أن يسمعوا خطابا واضحا يشرح لهم ما الذي وقع، وكيف وصلنا إلى هذه اللحظة، وما هي الإجراءات التي اتخذت لمعالجة الوضع، وما هي الرؤية حتى لا تتكرر مثل هذه المشاهد. فالغموض لا ينتج إلا الإشاعة، والصمت يفتح الباب لكل التأويلات.
لسنا اليوم بصدد تبرئة أحد أو إدانة أحد. نحن فقط نحاول أن نفهم. نحاول أن نجد إجابة لسؤال يحرق قلوب المغاربة جميعا.
إلى أن تكتمل الصورة… سيظل السؤال معلقا:
من سنلوم؟
#المغرب
#سبتة
#الهجرة_غير_النظامية
#نزيف_وطن
#الشباب_المغربي
#المسؤولية_الجماعية
#الحكومة_المغربية
#الحصاد24
Exit mobile version