الحصاد 24

من خطاب التعبئة إلى التنويم الجماعي: مسح الدماغ في الإعلام الجزائري.

alt=

إدريس طيطي
سبق أن نبهنا مرارا إلى خطورة القضية الإعلامية ودورها المحوري في الدفاع عن الوطن، وفي تشكيل وعي الشعوب وتوجيه الرأي العام. وما نعود إليه اليوم ليس خروجا عن هذا السياق، بل هو امتداد له، من زاوية تبدو رياضية في ظاهرها، لكنها في عمقها سياسية وإعلامية بامتياز.
لا يمكن إنكار أن الإعلام الجزائري نجح، إلى حد بعيد، في السيطرة على وعي جزء كبير من شعبه، لكن هذا النجاح لم يكن وليد المهنية أو الاستقلالية، بل جاء نتيجة إشراف مباشر من النظام، وتوجيه صارم للخطاب الإعلامي، حيث تصنع الرواية داخل الاستوديوهات قبل أن تضخ في عقول المتلقين.
تخيلوا حجم هذا التحكم:
جزائريون سافروا إلى المغرب، من داخل الجزائر ومن خارجها، عاينوا بأعينهم الفارق الشاسع. شاهدوا البنية التحتية الحديثة، ووسائل النقل المتطورة، والملاعب التي تبدو كالجواهر، والتنظيم الذي يجعل المواطن في خدمة الدولة لا العكس.
رأوا الطوابير أمام الشبابيك البنكية، لا من أجل الزيت أو الحليب أو الغاز، بل هي من تعمل الطوابير على المواطنين. لتوفرها بكثرة في الأسواق التجارية الكبرى، بجودة عالية، دون ندرة أو هلع أو انتظار مهين.
جاء هؤلاء وفي مخيلتهم صورة رسمها لهم الإعلام الجزائري: مغرب الفقر والعوز والحاجة، ومغرب يمكن للجزائر أن “تقطع عنه الغاز والكهرباء”. لكنهم اصطدموا بحقيقة مرة لم يكونوا مستعدين لها.
هنا وقع الارتباك.
بدل أن يدفع هذا الواقع إلى التساؤل والتأمل:
كيف لبلدنا الجزائر يملك الغاز والثروات أن يعيش هذا التردي؟
وكيف لبلد المروك محدود الموارد أن يسبقه بسنوات ضوئية؟
تدخل الإعلام، بسرعة قصوى، لإطفاء أي شرارة وعي. جرى تأجيج الصراع، وخلق معطيات زائفة، وأن الجزائر ضحية المروك لإقصاءها من البطولة وتجييش كامل للرأي العام. من زار المغرب وعاد وهو مقتنع بالحقيقة تم شيطنته، ومن لم يزر أصلا كان مهيأ نفسيا لتصديق أي رواية جاهزة.
عاد الزائرون إلى الجزائر ليصطدموا من جديد بالواقع:
الأوساخ، الرمال، الطين، الاكتظاظ، الطوابير، مدن كأنها خارجة من قصف أو زمن متحجر.
لكن بدل أن تتحول هذه الصدمة إلى وعي جماعي، جرى توجيهها إعلاميا نحو عدو خارجي: المغرب.
وهكذا، اشتغل الإعلام الجزائري على ضخ مصطلحات مستهلكة ومسمومة:
مؤامرة، عصابة، مخزن، كأس، سنغال، تحكيم، …ووو
مفردات تثقل بها عقول أُفرغت مسبقا من التفكير النقدي.
الأدهى أن الشعب، بدل أن ينشغل بأوضاعه، خرج إلى اليوم محتفلا بإنجاز غيره، ومجندا في مواقع التواصل للهجوم على المغرب، وكأن ذلك يعوض فشلا داخليا أو يملأ فراغا نفسيا صنعه الإعلام.
تخيلوا فقط، لو كان للجزائر إعلام نزيه، شريف، مستقل، بنفس الإمكانيات والدعم والاستوديوهات، إعلام يواجه الحقيقة بدل تزويرها، لكانت أشياء كثيرة قد تغيرت.
لكن حين يستعمل الإعلام كسلاح ضد الوعي، تصبح الحقيقة خطرا يجب إخفاؤه.
ومع ذلك، ورغم كل هذا التسميم، يبقى الشعب الجزائري شعبا سادجا في جوهره، ضحية منظومة إعلامية وسياسية لا تريد له أن يرى، ولا أن يقارن، ولا أن يسأل.
نعم، المعركة لم تكن يوما كروية، بل كانت معركة وعي… والإعلام هو سلاحها الأخطر
Exit mobile version