الحصاد 24

ملتقى أندية الحياة المدرسية… تجربة تربوية رائدة يقودها الشباب من أجل الإرتقاء بالإنسان والمجتمع

alt=
لطيفة الطويلب / أيت ملول
في قلب ثانوية محمد البقالي التأهيلية بأيت ملول، تبلورت خلال السنوات الثلاث الأخيرة تجربة تربوية متميزة حملت إسم “ملتقى أندية الحياة المدرسية”، لتجسد رؤية حديثة قوامها تمكين الشباب من لعب أدوار قيادية داخل الفضاء المدرسي، بدل الإكتفاء بدور المتلقي. فقد إنطلقت الفكرة من قناعة بسيطة في ظاهرها عميقة في جوهرها، مفادها أن الشباب حين يمنحون الثقة والمساحة المناسبة، يصبحون قادرين على الإبداع وصناعة الأثر، وهو ما إختصر في شعار واضح ومعبر: “من الشباب إلى الشباب”.
في بداياته، لم يكن الملتقى سوى مبادرة طموحة جمعت بين تلاميذ المؤسسة وقدمائها، تحت إشراف الأستاذ يونس بن الوقار، الذي آمن بضرورة خلق فضاء تربوي مواز يعزز التعلم بالممارسة وينمي المهارات الحياتية والقيادية لدى التلاميذ. ومع مرور الوقت، تحولت هذه المبادرة إلى مشروع تربوي متكامل قائم على العمل الجماعي والتخطيط والتأطير التشاركي، حيث أصبح التلميذ فاعلا أساسيا في تنظيم الأنشطة وتأطير الورشات والمساهمة في إتخاذ القرار داخل الأندية.
وقد إستطاع ملتقى أندية الحياة المدرسية أن يستقطب أزيد من ألف منخرط في مختلف الأندية التربوية، في تجربة تعكس حجم الإقبال والثقة التي حظيت بها هذه المبادرة داخل المؤسسة. وتنوعت الأندية بين رياضية وفنية وتعليمية وتكنولوجية ودينية وإجتماعية وصحية وثقافية، وهو تنوع لم يكن شكليا بقدر ما كان إستجابة حقيقية لإهتمامات التلاميذ وميولاتهم، مما أتاح لكل شاب وشابة فرصة إيجاد فضاء يعبر عن طاقاتهم ويصقل مهاراتهم ويعزز ثقتهم بأنفسهم.
وشكل الموسم الدراسي 2023-2024 محطة فارقة في مسار الملتقى، خاصة خلال الحفل الختامي الذي تولى الشباب وقدماء المؤسسة تنظيمه وتأطيره بروح إحترافية ومسؤولية عالية، في تجسيد عملي لشعار “من الشباب إلى الشباب”. وقد تضمن البرنامج نهائيات المسابقات الرمضانية في كرة القدم وكرة السلة والكرة الطائرة والشطرنج، إلى جانب عروض فنية وإبداعية وفقرات ثقافية من إعداد التلاميذ، مما أبرز مستوى النضج التنظيمي الذي بلغه المشاركون، وحول الحفل إلى تتويج لمسار سنوي من العمل الدؤوب وروح الفريق.
ومع تطور التجربة، إتجه الملتقى خلال موسم 2024-2025 نحو الإنفتاح على محيطه الإجتماعي، إيمانا بأن المؤسسة التعليمية ليست فضاء مغلقا، بل جزء من نسيج مجتمعي متكامل. وفي هذا السياق، تم تنظيم ورشات ترفيهية لفائدة أطفال مؤسسة لالة أمينة، وزيارة ميدانية تشاركية إلى دار التكافل بمدينة أيت ملول، إلى جانب أنشطة توجيهية وترفيهية داخل المؤسسة، وهو ما ساهم في ترسيخ قيم التضامن والعمل التطوعي والمسؤولية المجتمعية لدى التلاميذ، وربط التعلم النظري بالممارسة الميدانية ذات البعد الإنساني.
أما خلال الموسم الحالي، فقد إختار الملتقى التركيز على البناء الهادئ لأساس متين، عبر تنظيم ورشات تكوينية في فن التواصل والعمل الجماعي وتنمية مهارات القيادة، في توجه يعكس وعيا تربويا يسعى إلى تحقيق الإستدامة بدل الاكتفاء بالنجاحات الظرفية. ويؤكد هذا المسار أن الهدف لا يقتصر على تنشيط الحياة المدرسية فقط، بل يتجاوز ذلك نحو إعداد جيل واع بدوره، قادر على المبادرة، ومؤمن بقيم التعاون والإنخراط الإيجابي داخل المجتمع.
ويبرز في نجاح هذه التجربة الدور التربوي الذي يقوم على التأطير المرن المبني على الثقة والتحفيز، حيث يتم فتح المجال أمام التلاميذ للتجربة والتعلم وتحمل المسؤولية، في بيئة تربوية تشجع الإبداع وتحتضن الخطأ كجزء من مسار التعلم. وقد أسهم هذا النهج في بروز جيل من الشباب الواثق من نفسه، المنفتح على محيطه، والمستعد للمساهمة الفعالة في الحياة المدرسية والمجتمعية.
ورغم إحتضان ثانوية محمد البقالي التأهيلية لهذه المبادرة، فإن أثرها تجاوز أسوار المؤسسة ليشكل منصة تفاعلية تجمع بين الأجيال، وتربط بين قدماء المؤسسة وتلامذتها، في إطار يعزز روح الإنتماء ويؤسس لإستمرارية الأثر التربوي. كما أصبح الملتقى فضاء ديناميكيا لتبادل الخبرات والمعارف، حيث يجد كل من يمتلك موهبة أو فكرة أو تجربة فرصة لتقاسمها والإستفادة من تجارب الآخرين، في بيئة لا تميز بين مبتدئ ومحترف، بل تحتفي بالشغف وروح التعلم.
إن تجربة ملتقى أندية الحياة المدرسية تؤكد أن الإستثمار الحقيقي في المنظومة التربوية هو الإستثمار في الإنسان، وأن تمكين الشباب لا يحتاج إلى إمكانيات إستثنائية بقدر ما يحتاج إلى إيمان بقدراتهم ومساحات للإبداع والمبادرة. وبعد ثلاث سنوات من التأسيس، يثبت هذا المشروع أن الشباب ليسوا فقط أمل المستقبل، بل قوة الحاضر، وأن حين تمنح لهم المنصة، فإنهم لا يكتفون باعتلائها، بل يضيئونها بعطائهم وأفكارهم وروحهم الجماعية، مجسدين فعليا معنى الإرتقاء بالنفس وبالمجتمع.
Exit mobile version