الحصاد 24

ما الهدف من تحويل السقوط الفردي إلى إساءة جماعية للمغرب؟

alt=
ادريس طيطي -مجرد راي –
قبل الدخول في صلب الموضوع، أجد نفسي مضطرا للتأكيد أنني لن أعيد نشر الصورة أو المشهد المتداول، احتراما للذوق العام، ورفضا للمساهمة في توسيع دائرة الإساءة أو تحويل الانحراف إلى مادة للفرجة الجماعية. سأكتفي فقط بصورة رمزية معبرة، لأن القضية اليوم لم تعد مرتبطة بمشهد معزول بقدر ما أصبحت مرتبطة بطريقة تعامل البعض معه، بين من يبحث عن الضحك، ومن يلهث خلف “البوز”، ومن يمنح دون وعي هدايا مجانية لأعداء الوطن كي يطعنوا في صورة المغرب والمغاربة.
ما وقع لا يمثل المرأة المغربية، ولا المجتمع المغربي، ولا قيم هذا البلد الذي أنجب نساء حافظات للقرآن، وطبيبات، ومهندسات، وقاضيات، وأستاذات جامعيات، ومبدعات رفعن اسم المغرب عاليا في مختلف المحافل. لذلك فالنقاش الحقيقي ليس حول المشهد ذاته، بل حول خطورة تحويل السقوط الفردي إلى عنوان جماعي للإساءة إلى وطن بأكمله.
اجتنابا لإعادة نشر الصورة أو المقطع، سأكتفي بالإشارة إلى أن ما جرى كان مشهدا مؤسفا لامرأة ظهرت في وضع صادم داخل خلاء مكشوف، لكن المؤسف أكثر هو الطريقة التي تعاملت بها بعض الصفحات مع الحادثة، حيث تحولت الواقعة من حالة فردية قد تكون مرتبطة بالتشرد أو المرض النفسي أو الانهيار الاجتماعي، إلى فضيحة رقمية عابرة للحدود.
صفحات كثيرة اختلفت أهدافها؛ منها من نشر بدافع السخرية، ومنها من أراد رفع نسب المشاهدة والتفاعل، ومنها من تعامل معه كأنه مادة فكاهية، لكن الجميع توحدوا في نتيجة واحدة: الإساءة لصورة المغرب والمغاربة، وفتح المجال أمام الأبواق المعادية والذباب الإلكتروني للطعن في أعراض المغربيات والإساءة إلى نسائنا وأمهاتنا وأخواتنا.
وأول سؤال يجب أن يطرح هنا: ما الفائدة من نشر مثل هذه المقاطع أصلا؟
ما الرسالة التي يريد أصحاب هذه الصفحات إيصالها؟
وهل أصبح التشهير بالمجتمع المغربي طريقا سهلا نحو “الترند” والمشاهدات؟
الذي نشر المقطع لأول مرة، إن كان مغربيا فعلا، فعليه أن يحاسب أخلاقيا وقانونيا، لأنه لم يكتف بنشر مشهد منحرف، بل منح خصوم المغرب مادة جاهزة للهجوم على المجتمع المغربي بأكمله. والأخطر من ذلك أن البعض لا يدرك أن أعداء الوطن لا يبحثون إلا عن مثل هذه اللقطات ليعمموها ويقدموها وكأنها صورة المرأة المغربية.
أي عقل يمكن أن يقبل أن يتم اختزال ملايين المغربيات الشريفات والمحترمات في تصرف امرأة واحدة قد تكون مريضة أو متشردة أو ضحية انهيار نفسي واجتماعي؟ وهل يعقل أن نترك آلاف النماذج النسائية الناجحة والمشرفة، ثم نسلط الكاميرات فقط على السقوط والانحراف لأن الفضائح ترفع نسب التفاعل؟
المغرب لا يختزل في مشهد شاذ، كما أن أي شعب في العالم لا يختزل في سلوك فردي منحرف. المجتمعات تقاس بقيمها، بعلمائها، بمبدعيها، بنسائها المكافحات، لا بلقطة عابرة يتم تداولها آلاف المرات فقط من أجل الضحك أو السخرية أو تصدر الصفحات.
ثم إن الإنسانية نفسها تفرض علينا أن نتعامل مع مثل هذه الحالات بوعي ومسؤولية. فإذا كانت هذه المرأة فعلا تعاني التشرد أو المرض أو الانهيار، فالمطلوب هو الحماية والعلاج والتدخل الاجتماعي، لا تحويلها إلى “ترند” يستهلك في الهواتف والتعليقات الساخرة.
المؤلم اليوم أن البعض أصبح يقدم أكبر خدمة لأعداء المغرب دون أن يشعر. فبدل أن يقدم صورة مشرقة عن بلده، يلهث وراء كل ما هو صادم ومنحرف، فقط لجلب المشاهدات، غير مدرك أن الثمن الحقيقي هو تشويه صورة الوطن والإساءة إلى المجتمع المغربي بأكمله.
المغرب مليء بالنماذج النسائية المشرفة التي تستحق أن تسلط عليها الأضواء: نساء ناجحات في الطب، والتعليم، والقانون، والرياضة، والثقافة، والبحث العلمي، ونساء بسيطات يصنعن الكرامة كل يوم داخل البيوت وفي مواقع العمل. هؤلاء هن صورة المرأة المغربية الحقيقية، لا مشهد معزول تم تضخيمه ونشره بطريقة تخدم التشويه أكثر مما تخدم الحقيقة.
لذلك، قبل أن نضغط على زر “النشر”، علينا أن نسأل أنفسنا: هل نخدم المجتمع أم نسيء إليه؟ وهل ننقل الوعي أم ننشر الفضيحة؟ وهل أصبح البعض مستعدا لبيع صورة وطنه فقط من أجل بعض المشاهدات والتفاعل؟
للأسف، هذا ما يحدث اليوم… وبعض الصفحات لا تدرك أنها حين تلهث خلف “البوز”، فإنها تفتح الأبواب على مصراعيها لكل حاقد ومتربص كي يطعن في المغرب والمغاربة.

#صورة_المغرب
#المرأة_المغربية
#لا_للتشهير
#ضد_البوز_الرخيص
#كرامة_المجتمع

Exit mobile version