مالية 2027 تتحدث عن الدولة الاجتماعية والتشغيل.. فأين أعوان الشساعة من استراتيجية الدولة؟ وهل ينهي نزار بركة في ولايته الثانية معاناتهم؟
الحصاد24 /الرباط
ونحن أمام التوجهات الكبرى لمشروع قانون المالية لسنة 2027، التي عرضت أمام المجلس الوزاري برئاسة صاحب الجلالة الملك محمد السادس، وما تحمله من رهانات تتعلق بتعزيز الدولة الاجتماعية، وتوسيع الحماية الاجتماعية، وتحسين القدرة الشرائية، ودعم التشغيل، وتخصيص 25 مليار درهم للتنمية الترابية المندمجة. إذا بنا نستحضر وضعية فئة من الأعوان المؤقتين التابعين لوزارة التجهيز والماء، المعروفين بأعوان الشساعة، الذين يشتغلون اثني عشر شهرا دون انقطاع، داخل المكاتب الإدارية وخارجها على الطرق والمنشآت، لكنهم لا يزالون يشتكون من الحرمان من التغطية الصحية والتعويضات العائلية والعطل السنوية والرخص المرضية، فضلا عن عدم استفادتهم من الزيادات في الأجور التي أقرتها الحكومة، وفق ما تؤكده مطالبهم. وبين طموح الدولة إلى ترسيخ العدالة الاجتماعية وواقع هذه الفئة، يبرز السؤال عن موقعها من هذه التوجهات، وعن مآل ملفها الذي طال انتظاره، خصوصا أن الولاية الحكومية السابقة انتهت دون أن تتحقق التسوية التي كان الأعوان يأملونها.
فهل ستجد هذه الفئة مكانها ضمن أولويات الحكومة الجديدة برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري؟ وهل سيعمل نزار بركة، الذي يواصل تحمل مسؤولية وزارة التجهيز والماء، على الوفاء بالوعود التي ارتبطت بالولاية الأولى، والتي كان الأعوان يأملون أن تنتهي بتسوية وضعيتهم، أم أن الولاية الثانية ستعيدهم إلى نقطة البداية؟
إن الجمعية الوطنية للأعوان المؤقتين بوزارة التجهيز والماء هي التي تعود اليوم لطرح هذه الأسئلة، وهي التي تتساءل عن مآل الملف الذي طال انتظاره، وعن مدى استعداد الوزير لطيه بصورة نهائية. فبالنسبة إلى الجمعية، لم يعد الأمر يتعلق بمجرد حوار جديد أو وعد إضافي، بل بإنهاء معاناة فئة تشتغل طوال السنة، وتنتظر منذ سنوات أن تصبح حقوقها الاجتماعية والمهنية واقعا ملموسا.
إن الحديث عن الدولة الاجتماعية لا ينبغي أن يظل محصورا في البرامج والأرقام والاعتمادات المالية، بل يفترض أن ينعكس على واقع الفئات التي تشتغل داخل المرافق العمومية، وتؤدي مهامها اليومية دون أن تتمتع، بحسب ما تؤكده مطالبها، بالحقوق التي تناضل من أجلها. فنجاح أي استراتيجية اجتماعية لا يقاس فقط بما تتضمنه من أهداف، وإنما أيضا بمدى قدرتها على معالجة الملفات العالقة وإنصاف الفئات التي ظلت تنتظر دورها في الاستفادة من ثمار السياسات العمومية.
وتكمن خصوصية وضعية هؤلاء الأعوان في أنهم لا يشتغلون لفترة محدودة أو موسمية بالمعنى المتعارف عليه، بل يواصلون أداء مهامهم على امتداد السنة، دون انقطاع لمدة اثني عشر شهرا، سواء داخل المكاتب والمصالح الإدارية، أو خارجها في الطرق والمنشآت ومواقع العمل التابعة لوزارة التجهيز والماء. وبين العمل الإداري والعمل الميداني، تتعدد المهام وتختلف ظروف الاشتغال، لكن المطالب تظل واحدة: تسوية الوضعية الإدارية والمهنية، وضمان الحقوق الأساسية التي تكفل الاستقرار الاجتماعي والمهني.
فكيف يعقل أن تستمر فئة في أداء مهامها طوال السنة، بينما تظل محرومة، وفق ما تطرحه الجمعية، من التغطية الصحية والتعويضات العائلية والعطل السنوية والرخص المرضية؟ وكيف يمكن لهذه الشريحة أن تواجه متطلبات الحياة اليومية في ظل غياب حقوق أساسية ترتبط بالحماية الاجتماعية والاستقرار الأسري؟ إنها أسئلة تضع ملفا اجتماعيا عالقا أمام مسؤولية الإدارة والوزارة الوصية، وتدعو إلى تقديم أجوبة واضحة بدل استمرار الغموض.
ولا يتوقف الأمر عند هذه الحقوق، بل يمتد إلى الزيادات في الأجور التي أقرتها الحكومة في إطار التدابير الرامية إلى تحسين دخل الأجراء. إذ تؤكد الجمعية أن الأعوان المعنيين لم يستفيدوا من زيادتين متتاليتين، رغم ما تشير إليه من مذكرات وتوجيهات صادرة عن رئاسة الحكومة بشأن هذه الزيادات. وهو ما يستدعي توضيحا رسميا من الجهات المعنية حول أسباب عدم استفادتهم، ومدى انطباق القرارات ذات الصلة على وضعيتهم، والإجراءات الممكن اتخاذها لتسوية هذا الإشكال في ضوء القوانين والأنظمة الجاري بها العمل.
إن هذه المطالب تضع وزارة التجهيز والماء أمام ضرورة مراجعة الملف من مختلف جوانبه، بدءا بتحديد الوضعية القانونية والإدارية لهذه الفئة، مرورا بتوضيح حقوقها وواجباتها، وانتهاء بوضع مسار عملي لتسوية أوضاعها. فاستمرار الغموض لا يخدم الإدارة ولا الأعوان، كما أن بقاء الملف معلقا بين المصالح الإدارية والحوارات المتكررة يوسع دائرة الإحباط ويجعل الثقة في الوعود رهينة بمدى ترجمتها إلى نتائج ملموسة.
وهنا تبرز مسؤولية نزار بركة، وزير التجهيز والماء، الذي يدخل ولاية ثانية على رأس القطاع، في وقت تتجدد فيه انتظارات هذه الفئة بعد سنوات من المطالبة بالإنصاف. فقد ارتبطت الولاية السابقة، وفق ما تؤكده الجمعية، بوعود بطي الملف وتسوية الوضعية، لكن الولاية انتهت دون أن تتحقق الآمال التي علقها الأعوان على تلك الوعود. وهكذا انتهت مرحلة حكومية وبدأت أخرى، بينما ظل السؤال نفسه قائما: متى تنتهي معاناة الأعوان المؤقتين؟
إن الجمعية الوطنية للأعوان المؤقتين لا تخفي أن الانتظار طال، وأن الآمال التي علقتها على الولاية الأولى لم تتحقق بالشكل الذي كانت تطمح إليه. ولذلك، فهي تتساءل اليوم: هل سيعمل نزار بركة على الوفاء بالوعد الذي سبق أن قدمه بطي هذا الملف خلال ولايته الأولى؟ وهل ستكون الولاية الثانية مناسبة لتحويل ذلك الوعد إلى إجراءات ملموسة، أم أن الأعوان سيجدون أنفسهم أمام جولة أخرى من الحوارات والوعود المؤجلة؟
والأهم من ذلك، أن الجمعية تؤكد أنها لا تريد العودة إلى دوامة الانتظار من جديد. فبداية الولاية الحكومية الجديدة، في نظرها، هي المرحلة التي ستكشف مدى جدية التعاطي مع هذا الملف، من خلال المبادرة إلى فتح الحوار وتحديد خطوات واضحة لتسوية الوضعية، بدل ترك الزمن يمر إلى أن تقترب نهاية الولاية، فتتجدد الوعود من دون نتيجة.
وتستحضر الجمعية، في هذا السياق، أنها سبق أن علقت أشكالها الاحتجاجية التي كانت مبرمجة بالتزامن مع احتجاجات جيل Z، في انتظار ما يمكن أن تفضي إليه الجهود المبذولة لمعالجة الملف. وهو ما يجعل المرحلة الحالية مناسبة لتوضيح الموقف، والإجابة عن تساؤلات الأعوان بشأن مآل مطالبهم، وما إذا كانت الوزارة مستعدة للانتقال إلى معالجة فعلية تنهي حالة الانتظار.
ومن هذا المنطلق، تتساءل الجمعية الوطنية للأعوان المؤقتين بوزارة التجهيز والماء عن إمكانية استقبالها من طرف الوزير نزار بركة خلال هذه الولاية، من أجل عرض الملف ومختلف جوانبه، وتقديم مطالب الأعوان بصورة مباشرة، والبحث عن حلول عملية قابلة للتنفيذ. فاللقاء، إن تم، ينبغي أن يشكل خطوة نحو تحديد مكامن التعثر والاتفاق على مسار واضح لمعالجة الوضعية، لا مجرد محطة جديدة تضاف إلى سلسلة الحوارات السابقة.
إن الجمعية لا تطالب بامتيازات خارج القانون، وإنما تتطلع إلى تسوية منصفة لوضعية فئة تشتغل طوال السنة وتنتظر الاستفادة من الحقوق التي تكفلها النصوص القانونية والتنظيمية ذات الصلة. ومن حقها أن تعرف أين وصل ملفها، وما الذي حال دون تسويته، وما الخطوات التي تعتزم الوزارة اتخاذها، وما الأفق الزمني الذي يمكن أن تنتظره هذه الفئة لإنهاء معاناتها.
وعندما نتأمل التوجهات المعلنة لمشروع قانون المالية لسنة 2027، وما تتضمنه من اهتمام بالحماية الاجتماعية والتشغيل وتحسين ظروف العيش، يصبح من الضروري أن تطرح وزارة التجهيز والماء ملف أعوانها المؤقتين ضمن النقاش حول كيفية تنزيل هذه الأولويات. فالتنمية الترابية لا تقتصر على الطرق والمنشآت والمشاريع، بل تشمل أيضا أوضاع الأشخاص الذين يساهمون في إنجاز المهام المرتبطة بها. والدولة الاجتماعية لا تكتمل صورتها إلا حين تجد الفئات العاملة طريقها إلى الإنصاف والاستقرار، وفق الحقوق التي يضمنها القانون.
إن تخصيص 25 مليار درهم لبرامج التنمية الترابية المندمجة يعكس أهمية الاستثمار في المجالات الترابية وتحسين ظروف عيش المواطنين، لكن الاستثمار في الإنسان يظل عنصرا أساسيا في نجاح أي مشروع تنموي. ومن هنا، فإن معالجة ملف الأعوان المؤقتين لا ينبغي أن تبقى منفصلة عن التوجهات الاجتماعية المعلنة، بل تستحق أن تحظى باهتمام إداري ووزاري يفضي إلى تحديد الوضعية وتسوية ما يمكن تسويته من حقوق مستحقة.
لقد انتهت الولاية الأولى، وانتهى معها انتظار الأعوان دون تحقيق التسوية التي كانوا يأملونها. واليوم، مع بداية الولاية الثانية، تؤكد الجمعية أنها لا تريد أن تعيش السيناريو نفسه مرة أخرى، ولا أن تظل معلقة بين الوعود والحوارات إلى نهاية ولاية جديدة. إنها تنتظر مؤشرا عمليا منذ بداية المرحلة، يوضح ما إذا كان الملف سيسلك طريق الحل أم سيبقى مؤجلا.
فهل ستكون هذه الولاية بداية فعلية لإنهاء ملف أعوان الشساعة بوزارة التجهيز والماء؟ وهل سيفتح نزار بركة باب الحوار مع الجمعية الوطنية للأعوان المؤقتين، ويعمل على تسوية الوضعية وفق القانون، والوفاء بالوعد الذي ارتبط بالولاية الأولى؟ أم سيستمر الانتظار إلى أن تنتهي ولاية أخرى؟
إنصاف هذه الفئة سيكون خطوة ملموسة نحو تعزيز الثقة في المؤسسات وترسيخ مبادئ العدالة الاجتماعية. أما استمرار الملف دون حسم، فسيبقي سؤالا مشروعا معلقا: كم من الوقت ينبغي أن تنتظر فئة تشتغل اثني عشر شهرا في السنة حتى تجد وضعيتها طريقها إلى التسوية، وتصبح الحماية الاجتماعية التي تتحدث عنها الدولة واقعا ملموسا في حياتها اليومية؟