الحصاد 24

“لي ما شرا يتنزه”… قريبا ،كاميرات على أبواب المؤسسات التعليمية: نقل للأجواء أم اصطياد في الماء العكر.

alt=

ادريس طيطي

مع اقتراب امتحانات الباكالوريا، ستبدأ بعض القنوات الإلكترونية في التوافد على أبواب المؤسسات التعليمية، تتسابق بميكرفوناتها وكاميراتها بحثًا عن تصريحات التلاميذ. مبدئيًا، لا بأس أن تنقل هذه القنوات أجواء الامتحانات، ترصد الظروف العامة، تسأل عن الصعوبات، وتستقصي عن أي خروقات محتملة. فهذا يدخل ضمن المهام الإعلامية النبيلة، ويُسهم في تقريب الصورة من الرأي العام.

لكن المؤسف، والذي يثير الكثير من علامات الاستفهام، هو أن بعض هذه القنوات لا تركز على نقل الجوانب الجادة أو المفيدة، بل تسعى عمدًا نحو التلميذ “الغير مسؤول”، نحو القاصر الذي يندفع أمام الكاميرا بحماس، فيُطلق تصريحات مسيئة دون أن يعي خطورتها، ليجد نفسه لاحقًا مادة للسخرية على مواقع التواصل الاجتماعي.

نحن هنا لا نتحدث عن التلاميذ أنفسهم فحسب، بل عن قنوات إعلامية تسعى خلف مشاهد “مسخرة”، تحوّل التلميذ إلى نكتة، والأسرة إلى متفرج حزين، والمجتمع إلى ساحة تهريج. كثير من الأسر تتفاجأ، للأسف، بتصريحات صادمة من أبنائها في فيديوهات متداولة على نطاق واسع، وهم الذين كانوا يظنون أن أبناءهم دخلوا الامتحان بروح المسؤولية والتركيز.

لقد سبق أن رأينا كيف تتناقل بعض الصفحات تصريحات مثل: “جابو لينا أستاذ زوين ما خلّاناش نركزو”، أو “في القبر كاين غير جوج أسئلة”، أو حتى “عطاونا سورة ما كايناش فـ القرآن”. هذه العبارات لا تثير الضحك بقدر ما تُظهر حجم الإهمال، وتكشف استغلال براءة التلميذ لأغراض لا علاقة لها بالإعلام النزيه.

إن هؤلاء التلاميذ غالبًا لا يدركون ما يفعلونه أمام الكاميرا، ينساقون مع الضحك والهزل، ينجرفون دون وعي أمام أقرانهم وزملائهم الذين يشجعونهم على التصريح فقط من باب المزاح، لكن ما لا يعلمونه هو أن هذه التصريحات قد تلاحقهم، وقد تسيء إليهم في مستقبلهم الدراسي أو المهني، فضلًا عن الأثر النفسي والمعنوي على عائلاتهم.

اللوم هنا لا يقع فقط على التلميذ، بل أولًا وأساسًا على القنوات الإلكترونية التي تتعمد استغلال هذه المواقف. فهي تعرف ما تفعله، وتعرف جيدًا أن المشاهد الساخر يدرّ نسب مشاهدة عالية، ولو على حساب سمعة جيل كامل.

وهنا نطرح سؤالًا صريحًا: أين الدولة من كل هذا؟ هل تُراقب ما يُبثّ؟ وهل يُعقل أن تظل صامتة أمام مشاهد تسوّق صورة سلبية عن تلاميذها، خاصة في ظل متابعة دقيقة من دول أخرى، بينها الجارة التي لا تفوت فرصة للتشفي في أي زلة داخل بلدنا؟

ألا يفترض أن تتدخل الجهات الوصية قبل انطلاق الامتحانات، لتُحذر وتنبه وتمنع بث أي محتوى يسيء إلى التلميذ أو يستغله؟ أليس من الواجب مساءلة بعض الصفحات الفايسبوكية التي تحوّلت إلى “مسرح تشهير” أكثر من كونها منابر إعلامية؟

ربما اختارت الدولة أن تنأى بنفسها عن هذه الفوضى الإعلامية، وكأنها تكتفي بالمشاهدة كما يقول المثل الشعبي “لي ما شرا يتنزه”، لكن الواقع يفرض أن نعيد النظر في هذا الصمت، لأن ما يُبث لا يمسّ فقط الأفراد، بل يمس صورة التعليم في المغرب، بل يمسنا جميعًا كمجتمع يسعى للارتقاء لا للسخرية من أبناءه.

Exit mobile version