الحصاد 24

قراءة في تسجيل الطالبي العلمي.. المشهد السياسي المغربي بين صراع المواقع ومصلحة المواطن: ما محلها من الإعراب؟

alt=
بقلم: إدريس طيطي
أحيانا يكشف تسجيل صوتي ما تعجز عن كشفه الخطب الرسمية. والتسجيل المنسوب إلى رشيد الطالبي العلمي، رئيس مجلس النواب والقيادي في حزب التجمع الوطني للأحرار، وهو ينتقد فوزي لقجع، لا يبدو مجرد خلاف بين شخصيتين سياسيتين، بل يفتح نافذة على جانب من طريقة التفكير في السياسة المغربية، خصوصا حين يتعلق الأمر بالانتخابات والتحالفات والمناصب الحكومية.
الطالبي العلمي لا يتحدث في التسجيل عن لقجع باعتباره مجرد شخصية سياسية منافسة، وإنما يضعه داخل معادلة أكبر: من سيأتي أولا؟ ماذا لو جاء التجمع ثانيا؟ ما شروط التحالف؟ ومن يقترب من وزارة المالية ومن يبتعد عنها؟
وهنا تصبح المسألة أكثر دلالة.
فحين يقول إن التجمع يمكن أن يقبل بالمرتبة الثانية ويضع شروطه، ثم ينتقل مباشرة إلى التأكيد أن فوزي لقجع لن يصل إلى وزارة المالية، وأن الوزارة لها صاحبتها، فإن الكلام يتجاوز حدود الخلاف السياسي إلى الحديث عن هندسة مواقع السلطة داخل الحكومة المقبلة.
ولا يقول التسجيل صراحة إن الطالبي العلمي يريد وزارة المالية لنفسه، لذلك سيكون من غير الدقيق تقديم الأمر باعتباره رغبة مؤكدة في الحصول عليها. لكن المؤكد أن الوزارة حاضرة بقوة في حساباته السياسية، وأن الرجل يتعامل معها باعتبارها إحدى النقاط الحساسة في الصراع المقبل حول تشكيل الحكومة.
وهذا هو الجانب الذي يستحق التوقف عنده.
وزارة المالية ليست حقيبة عادية؛ فهي تمسك بجزء أساسي من مفاتيح القرار الاقتصادي للدولة. ولذلك فإن السؤال حول من سيتولاها يكشف كثيرا عن طبيعة الصراع داخل الأحزاب وحولها. لكن المواطن ينظر إلى المسألة من زاوية مختلفة تماما: لا يعنيه كثيرا اسم الوزير بقدر ما يعنيه ما سيحدث للأسعار، والضرائب، والصحة، والتعليم، والشغل، والقدرة على مواجهة تكاليف الحياة.
من هنا تظهر المسافة بين السياسة كما تدور داخل غرف الأحزاب والسياسة كما يعيشها المواطن.
في التسجيل، تحضر بقوة مفردات المقاعد والمرتبة الأولى والثانية والتحالفات والوزارات والشروط. أما المواطن فلا يظهر إلا باعتباره «رأيا عاما» يمكن أن يتغير مزاجه. وهذه المفارقة تطرح سؤالا أكبر من الخلاف بين الطالبي العلمي ولقجع: هل أصبحت الانتخابات بالنسبة لبعض الفاعلين السياسيين معركة للوصول إلى مواقع القرار، أكثر مما هي تنافس حول البرامج والمشاريع؟
الطالبي العلمي يقول أيضا إن «السياسة هي المواقف»، وهي عبارة يمكن أن تحمل معنى إيجابيا إذا كان المقصود بها الاستقلالية والشجاعة والقدرة على اتخاذ القرار. لكن السياسة لا تقاس فقط بمن يرفض هذا الوزير أو ذاك، ولا بمن يضع شروط التحالف، وإنما بما يقدمه السياسي من اختيارات واضحة حين يتعلق الأمر بمصالح الناس.
وهنا تحديدا يصبح فوزي لقجع عنوانا لصراع أوسع، وليس بالضرورة جوهر المشكلة.
فالقضية ليست في النهاية من سيجلس على كرسي المالية، وإنما لماذا سيجلس عليه؟ وبأي برنامج؟ ومن سيحاسبه إذا فشل؟
هذه هي الأسئلة التي ينبغي أن تسبق الحسابات الانتخابية، لا أن تأتي بعدها.
أما إذا بدأ السياسيون في توزيع المواقع قبل أن يمنح المواطن صوته، فإن الانتخابات تتحول من تعاقد مع الناخب إلى لعبة أرقام ومقاعد وتحالفات.
والتسجيل، بصرف النظر عن مواقفنا من الطالبي العلمي أو لقجع، يمنحنا فرصة لطرح سؤال بسيط لكنه جوهري:
هل يتنافس السياسيون اليوم على السلطة من أجل تنفيذ برامج تخدم المواطن، أم أن المواطن أصبح مجرد الطريق الذي يؤدي إلى السلطة؟
ذلك هو السؤال الحقيقي الذي يخرج من التسجيل، وهو أكبر بكثير من مجرد خلاف حول فوزي لقجع ووزارة المالية.

#الطالبي_العلمي #فوزي_لقجع #المشهد_السياسي #السياسة_المغربية #المغرب #مصلحة_المواطن #صراع_المواقع #الانتخابات #الأحزاب_السياسية #الحكومة #وزارة_المالية #التجمع_الوطني_للأحرار #السياسة #الرأي_العام #المواطن #العمل_الحزبي #التحالفات_السياسية #الديمقراطية #قراءة_سياسية #تسجيل_الطالبي_العلمي

Exit mobile version