صمت الكبار.. رسالة ملكية بين السطور: القافلة تسير والأولويات لا تنتظر.
بقلم: إدريس طيطي – مجرد رأي –
استوقفتني في الخطاب الملكي لجلالة الملك محمد السادس رسالة أخرى، مختلفة في دلالاتها، لا تتعلق بما قيل صراحة، بل بما غاب عن الخطاب. فبعض الرسائل لا تحتاج إلى كلمات كثيرة لتصل، وأحيانا يكون الصمت أبلغ من الرد، ويكون التجاهل موقفا سياسيا يستحق القراءة والتأمل.
في الوقت الذي تتواصل فيه حملات إعلامية وسياسية جزائرية تستحضر المغرب في خطابها وتضعه باستمرار في قلب سجالاتها، اختار الخطاب الملكي التوجه نحو أولويات المملكة: التنمية، والأمن المائي والطاقي والغذائي، والذكاء الاصطناعي، والإقلاع الصناعي، وإصلاح الإدارة، وتمكين الشباب. لم يمنح هذه السجالات مساحة في خطابه، ولم يجعل الرد على الآخرين بديلا عن تحديد ما يحتاجه المغرب في المرحلة المقبلة.
وهنا يبرز السؤال: هل التقط النظام الجزائري الرسالة؟ وهل أدرك أن المغرب لا يريد أن يظل أسير ردود الفعل، ولا أن يسمح للضجيج المحيط به بأن يحدد جدول أعماله؟ إنها قراءة محتملة لغياب السجال عن الخطاب، لكنها تضعنا أمام دلالة واضحة: الدولة التي تنشغل ببناء مستقبلها لا ينبغي أن تجعل خصومها يختارون لها ما تتحدث عنه وما تشتغل عليه.
والأكثر إثارة للتأمل هو عدم التطرق إلى قضية الصحراء المغربية، التي ظلت حاضرة في خطابات سابقة. فبعد التحول الذي عرفه الملف عقب تصويت مجلس الأمن على قرار يدعم مقترح الحكم الذاتي، قد يكون المغرب أمام منعطف جديد، لم يعد معه الملف يحتاج إلى الذكر في كل خطاب بالوتيرة نفسها، وكأن ما تبقى أصبح مسألة وقت لاستكمال المسار. وهو استنتاج تحليلي لدلالة الغياب، لا إعلان عن انتهاء جميع مراحل القضية.
أما عدم الإشارة إلى الجزائر، فيحمل بدوره دلالة تستحق التأمل؛ فنظام ظل يترقب ما سيقوله الملك عنها، وينتظر ما قد يتضمنه الخطاب من تلميحات أو ردود، وجد نفسه أمام خطاب لم يلمح إليه ولم يمنحه حتى فرصة الرد. وهنا تكمن قوة التجاهل: حين ينتظر الطرف الآخر مواجهة، فلا يجد ما يبحث عنه. أي رد أكثر إرباكا من أن تحرم خصمك مما ينتظره؟ إنه سلاح الحكمة، حين يصبح الصمت في حد ذاته ردا، والتجاهل موقفا لا يحتاج إلى ضجيج.
لقد وجه الملك بوصلة الخطاب نحو المستقبل، وكأن الرسالة بين السطور تقول إن أمام المغرب أوراشا كبرى لا تحتمل إهدار الوقت في سجالات متكررة. فالماء والطاقة والغذاء، والصناعة والاقتصاد الرقمي، والجهوية المتقدمة، وإصلاح الإدارة، كلها ملفات تمس حياة المغاربة ومستقبل الأجيال المقبلة، وتستحق أن تكون في صدارة الاهتمام.
وهنا تحضر العبارة المتداولة: «القافلة تسير والكلاب تنبح». لكن المعنى الأعمق ليس في الإساءة إلى أحد، بل في أن مسار الدولة لا ينبغي أن يتوقف عند كل ضجيج، وأن الرد الأكثر جدوى ليس دائما خطابا مضادا، بل إنجازا ملموسا يحصن الداخل ويعزز مكانة البلاد.
فهل فهم النظام الجزائري هذه الرسالة؟ لا يمكن الجزم بما فهمه أو بما قصده الخطاب تجاهه تحديدا، لكن الدلالة التي يمكن استخلاصها هي أن المغرب يضع أولوياته بنفسه، ويختار معاركه وفق مصالحه، ولا يجعل التراشق الإعلامي بديلا عن العمل الاستراتيجي.
أحيانا تكون الرسالة الأقوى هي ألا تدخل المعركة التي يريد لك الآخرون أن تخوضها. فالقافلة لا تحتاج إلى الرد على كل صوت؛ يكفي أن تعرف وجهتها، وأن تواصل السير.
صمت الكبار ليس فراغا في الكلام، بل قد يكون حكمة في اختيار المعارك، وثقة في المسار، وإدراكا بأن الأولويات الوطنية أكبر من أن تختزل في ردود الفعل. #صمت_الكبار #الخطاب_الملكي #محمد_السادس #الصحراء_المغربية #الحكم_الذاتي #المغرب #الجزائر #الدبلوماسية_المغربية #الأولويات_الوطنية #مجرد_رأي