الحصاد 24

شهادة في حق الجمهور الحلالي… بعيدا عن الخراب والدمار، وتحول يحتاج فقط إلى شعارات راقية

alt=
ادريس طيطي -مجرد رأي –
على وقع ما خلفته بعض المباريات الأخيرة في الكرة الوطنية، خاصة المواجهة التي جمعت بين الجيش الملكي والرجاء البيضاوي، والتي رافقتها مظاهر مؤسفة من فوضى وخراب وصدامات مع رجال الأمن، يجد المتتبع نفسه أمام ضرورة إعادة طرح سؤال جوهري حول ثقافة التشجيع وحدود الانتماء. فمثل هذه الصور لا تسيء فقط للعبة، بل تمس بصورة المجتمع ككل، وتطرح بإلحاح الحاجة إلى نماذج جماهيرية راقية تعيد التوازن للمشهد.
وفي خضم هذه المشاهد، انتابني، كقنيطري، شعور عميق بالانتماء الجميل وأنا أجد نفسي مدفوعا للحديث عن جمهور القنيطرة الحلالي… جمهور يستحق التنويه. فرغم سنوات الانكسار، وتوالي الهزائم، والسقوط إلى أقسام أدنى، والتذبذب الذي طبع مسار الفريق، لم يسجل أن هذا الجمهور انجرف نحو الفوضى أو انخرط في سلوكيات التخريب أو الصدام مع رجال الأمن. بل ظل وفيا لخط منضبط، يعبر عن غضبه داخل المدرجات، لكنه يحافظ على توازنه خارجها.
في السنوات الأخيرة، وبينما كانت كرة القدم المغربية تعرف تحولات متسارعة، عاش النادي القنيطري واحدة من أصعب مراحله، سواء من حيث النتائج السلبية أو تراجع الأداء، بل وحتى خطر النزول الذي خيم على مسيرته في أكثر من مناسبة. ومع ذلك، ظل جمهور حلالة بويز نموذجا خاصا يستحق الوقوف عنده، ليس فقط من باب الانتماء، ولكن من زاوية السلوك والثقافة الجماهيرية.
هذا الجمهور الذي ذاق مرارة الهزائم وتجرع خيبات الأمل، لم ينزلق إلى ما يشوه صورة الكرة أو يهدد سلامة المدينة. فرغم الغضب المشروع داخل المدرجات، والذي قد يتجلى أحيانا في بعض الشعارات أو العبارات غير المقبولة، فإن ذلك يبقى محصورا في لحظة انفعال ظرفي، سرعان ما ينطفئ بمجرد مغادرة الملعب. وهنا تبرز الحاجة اليوم إلى مراجعة هذا الجانب، عبر تبني شعارات تحفيزية راقية، تنصر الفريق وتعكس غيرة حقيقية على المدينة والوطن، بعيدا عن كل ما يخدش الحياء أو يدعو إلى العنف.
لا ننكر أن الغضب أحيانا وصل إلى مقاطعة الحضور للتشجيع كنوع من التعبير أو الضغط، سواء من أجل ردع اللاعبين ودفعهم للعب بقتالية أكبر، أو توجيه رسالة للإدارة التقنية أو الرئيس والمدرب، غير أن ذلك ظل في إطار رمزي وسلمي دون أن يخرج عن حدود الروح الرياضية.
لقد أصبحت كرة القدم اليوم فضاء عائليا بامتياز، تستقطب الأسر بمختلف فئاتها، وهو ما يجعل من الضروري أن تكون المدرجات بيئة آمنة ومحترمة. فالعائلات التي تحضر للمباريات تبحث عن المتعة والفرجة في أجواء سليمة، وهو ما يفرض تطوير لغة التشجيع لتكون في مستوى هذا التحول، شعارات جميلة، نظيفة، ومليئة بالحماس الإيجابي.
الأهم من ذلك، أن جمهور القنيطرة لم يسجل عليه، خلال هذه السنوات العصيبة، أي انخراط في أعمال شغب خارج أسوار الملاعب. لم نشهد تخريبا للممتلكات، ولا اعتداءات في الشوارع، ولا فوضى تذكر، بل على العكس، يخرج المشجعون في هدوء، يتفرقون في أحياء المدينة بروح مسؤولة، وكأنهم يطوون صفحة مباراة ويستعدون لأخرى. كما لم نر هذا الجمهور يدخل في صدامات مع رجال الأمن، بل ظلت العلاقة قائمة على الاحترام المتبادل، وفي حدود المسافة الطبيعية التي ينبغي أن تفصل بين الطرفين.
حتى الوقفات التي تم تسجيلها أحيانا، كانت تعبيرا حضاريا عن الغضب، من خلال شعارات وأهازيج وقرع للطبول، دون أن تنزلق إلى التخريب أو الفوضى، وهو ما يعكس وعيا جماهيريا يستحق الإشادة.
وعندما يكون الفريق في أفضل حالاته، يظهر الوجه المشرق لهذا الجمهور، لوحات فنية تزين المدرجات، ألوان خضراء زاهية تعبر عن الانتماء، وأناشيد حماسية تبعث الروح في اللاعبين، في مشاهد تؤكد أن التشجيع يمكن أن يكون إبداعا وجمالا قبل أن يكون مجرد انفعال.
إنها شهادة في حق الجمهور الحلالي، جمهور وفي ومؤطر بطبعه، حافظ على صورة مدينته بعيدا عن الخراب والدمار، ولم ينقصه سوى خطوة إضافية تتمثل في الارتقاء بالشعارات، حتى تكتمل هذه الصورة الحضارية التي يستحقها. وبين الألم والأمل، يظل هذا الجمهور نموذجا في الوفاء، لأنه اختار أن يحب فريقه دون أن يسيء لمدينته، وأن يغضب دون أن يفقد توازنه.
Exit mobile version