الحصاد 24

سباق المدن: كيف صمدت الجماعات الترابية أمام الأمطار ومن غرقت بنيتها التحتية؟

alt=
إدريس طيطي
بطبيعة الحال، نحن اليوم أمام كارثة طبيعية حقيقية، كارثة لا تهدد المغرب وحده، بل تضع العالم كله أمام اختبارات قاسية تتعلق بقدرة المدن على الصمود، وبجاهزية البنيات التحتية، وبمستوى الحكامة والتدبير. غير أن مقاربتنا لهذا الوضع لا ينبغي أن تكون انفعالية، بل تحليلية، تطرح الأسئلة الصعبة وتضع المسؤوليات في مواضعها الصحيحة.
من هنا يبرز مفهوم “سباق المدن”، لا بمعناه التنافسي السطحي، بل كمقارنة موضوعية بين مدن استطاعت، رغم غزارة التساقطات، أن تحمي ساكنتها وبنيتها التحتية، وأخرى غرقت لأن قنواتها ومصارفها وطرقها لم تكن مهيأة لتحمل حجم المياه. مدن صمدت لأن جماعاتها اشتغلت مسبقا على تقوية شبكات التصريف، وتأهيل الطرق، والاستثمار في البنية التحتية، ومدن فشلت لأن الإهمال وسوء التخطيط جعلاها تتحول إلى بقع مائية تهدد الممتلكات والأرواح.
وعندما ننوه بمدينة قاومت، فإننا نصفق لجماعتها الترابية، ولمسؤوليها، ولكل الأجهزة التي قامت بدورها كما يجب. وعندما ننتقد مدينة غرقت، فإننا نرصد اختلالات واضحة في التدبير، وفي جودة القنوات، وفي غياب رؤية استباقية قادرة على مواجهة مثل هذه الظواهر الطبيعية التي لم تعد استثنائية.
لكن تحميل المسؤولية لا يجب أن يتوقف عند الجماعة أو المسؤول فقط. المواطن بدوره جزء من هذه المعادلة. فالناخب هو من يختار المنتخب عبر صناديق الاقتراع، وصوته ليس فعلا عابرا، بل مسؤولية مباشرة. وعندما يتم التصويت على من لا يستحق، لأسباب تتعلق بالمصالح الضيقة أو الوعود الزائفة، فإن نتائج ذلك تظهر لاحقا في شكل مدن غارقة وبنيات منهارة.
لذلك، نحن أمام مسؤولية جماعية: جماعة مطالبة بالتخطيط والإنجاز والمراقبة، ومسؤولون مطالبون بالمحاسبة والشفافية، ومواطن مطالب بالوعي وحسن الاختيار. لا يمكن أن نحمل طرفا واحدا وزر ما حدث ونبرئ باقي الأطراف. فغرق مدينة هو نتيجة تراكم اختلالات يشترك فيها الجميع، كل من موقعه.
وفي النهاية، يبقى هذا وطننا، المغرب، الذي نريده آمنا لأبنائه، محصنا في مدنه، قادرا على مواجهة الكوارث الطبيعية بأقل الخسائر. وهذا لن يتحقق إلا بإعادة النظر في البنية التحتية، وفي أساليب التدبير، وفي العلاقة بين المواطن والمسؤول، على أساس المسؤولية المشتركة، لأن سلامة المدن ليست شأنا تقنيا فقط، بل قضية وعي، واختيار، وحكامة.
Exit mobile version