الحصاد 24

ذاكرة محارب: كمين المقاسم… بين الحياة والموت

alt=

بقلم محارب: عبد القادر بلعربي

في ربيع عام 1978، حين كانت رياح الحرب تهبّ من كل الاتجاهات، وردتنا تعليمات عاجلة من القيادة: مهمة قتالية عاجلة ستنفذها وحدتان، “الديار الأول” و”الديار الثاني”، باتجاه موقع معادٍ يسمى المقاسم، قرب منطقة بوكربة، على بُعد ما بين 40 و50 كيلومترا شمال تفاريتي.

كنا شبابًا، نحمل السلاح والعزم، ولم نكن ندرك حينها أن الأيام القادمة ستحفر في ذاكرتنا أخاديد من الألم لا تُنسى.
في صباح يوم 25 أبريل 1978، انطلقت قافلتنا في اتجاه الهدف. الطريق وعر، التضاريس قاسية: شعاب، جبال، غابات، وأرض ليست مهيأة لعبور العربات بسهولة. ومع ذلك، قطعنا قرابة 20 كيلومترًا في اليوم الأول، ثم واصلنا المسير مع بزوغ فجر اليوم التالي، نترقب ظهور العدو في كل لحظة.

وفي لحظة خاطفة، باغتنا العدو بقصف مباغت.
صوت القذائف مزق السماء، والرصاص كالمطر، ينهال علينا من كل جانب.
وقعنا في كمين مميت.

العربة التي كنت أستقلها أصيبت بقذيفة روسية من نوع 82، مزّقت جسد السائق، واشتعلت فيها النيران، بينما كنا محاصرين وسط الميدان. القذائف تنهمر، والنيران تتصاعد، والذخيرة التي كانت في العربة بدأت تشكل خطرًا إضافيًا. سارعنا إلى الهروب منها، ونحن نركض تحت وابل الرصاص، نحاول النجاة بأجسادنا المكشوفة.

في خضم الفوضى، لم تكن هناك خطة للفرار. من كانت عربته سليمة، فر بها. ومن لم يجد وسيلة، فر راكضًا.
أما أنا، فقد ركضت برفقة اثنين من زملائي. كنا نقفز من حفرة إلى حفرة، من تلة إلى أخرى. وفي منتصف الطريق، أصيب أحد رفاقي في ذراعه. وقفنا، أوقفنا نزيفه، ثم حملتُ سلاحه، وحمل الآخر الذخيرة، وواصلنا الهرب.

بعد قطع مسافة طويلة تحت القصف، لمحنا عربة عالقة في الرمال، اقتربنا منها، فلم نجد أحدًا. ثم لمحنا عربات أخرى على مسافة أبعد، فركضنا نحوها بكل ما تبقى فينا من طاقة. ولحسن الحظ، وصلت عربات دعم أنقذتنا ونقلت من بقي منا إلى نقطة آمنة.

حينها، تدخل الطيران الحربي وقصف مواقع العدو، فانقلبت الموازين. لكن الأثمان كانت قد دُفعت.

بدأنا نُحصي خسائرنا: شهداء وجرحى ورفاق مفقودون.
أتذكر جيدًا رفيقًا جريحًا في بطنه، خرجت أمعاؤه من جسده. حاولت أن أواسيه، لففنا جراحه بقطعة قماش، فابتسم وقال:
“أخي، لقد جاء الأجل… ادعُ لي بالرحمة.”
كانت كلماته الأخيرة.

جاءت المروحية لاحقًا لتحمل الشهداء والجرحى. أما نحن، فقد بقينا نُحدّق في الأرض، وفي السماء، وفي وجوه بعضنا البعض، نحاول فهم ما حدث… دون جدوى.
في الختام
ليس كل من يحيا في الحرب ينجو منها. فبعض الجراح تبقى، لا تُرى، لكنها تحرق القلب.
رحم الله الشهداء الأبرار، الذين سقطوا وهم يدافعون عن شرفهم ورفاقهم، وكتب الله النجاة لمن عاشوا ليحكوا الحقيقة.
وللحديث بقية…

Exit mobile version