الحصاد 24

دراجي…. حين غرد خارج الملعب.

alt=
ادريس طيطي – مجرد رأي

لم يكن الجدل الذي أثاره المعلق الجزائري حفيظ دراجي مفاجئا. فالرجل اعتاد منذ سنوات إثارة الاستفزازات وخلق السجالات، سواء عبر منصات التواصل الاجتماعي أو حتى خلال تعليقه على المباريات. لذلك فإن الضجة التي رافقت تغريداته الأخيرة لم تأت من فراغ، بل كانت نتيجة تراكم طويل من المواقف التي جعلته دائما في قلب الجدل.

القضية هذه المرة مرتبطة بتغريداته حول الحرب الأخيرة في المنطقة، حيث عبر بوضوح عن موقف اعتبره كثيرون تضامنا مع إيران، رغم أن الهجمات طالت عددا من الدول العربية. والمفارقة أن دراجي يعمل في شبكة beIN Sports التابعة لدولة قطر، وهي دولة عربية كانت من بين الدول التي طالتها التهديدات والتوترات في تلك المواجهة.

وقد ازداد الجدل حدة بعد تداول أخبار عن قرار داخل الشبكة يقضي بإيقافه بسبب تلك التغريدات، خاصة بعد موجة الغضب التي اجتاحت منصات التواصل الاجتماعي في عدد من الدول العربية. ورغم أن دراجي خرج لاحقا لينفي خبر إيقافه ويصفه بالشائعة، فإن مجرد تداول هذا القرار يعكس حجم الأزمة التي صنعتها تصريحاته، ويؤكد أن القضية تجاوزت مجرد رأي عابر في منصة اجتماعية.

هنا يطرح السؤال البسيط الذي يتجنبه البعض: كيف يمكن لإعلامي يعمل في مؤسسة إعلامية داخل دولة عربية أن يعبر عن تضامن مع طرف يقصف أو يهدد دولا عربية، بينها البلد الذي يعمل فيه؟ المنطق البسيط يقول إنه على الأقل كان ينبغي إدانة استهداف الدول العربية أو إعلان التضامن معها. أما أن يذهب الموقف في اتجاه معاكس تماما، فذلك يفتح الباب أمام كثير من التساؤلات حول حدود المسؤولية المهنية.

لقد كان بإمكان دراجي أن يلتزم الحياد، وهو الحد الأدنى الذي يُنتظر من إعلامي رياضي. لكنه اختار مرة أخرى الخروج من دائرة الرياضة والدخول في صراعات سياسية معقدة. وهذا ليس جديدا عليه، فالرجل اعتاد تحويل منصاته إلى مساحة للتعليق السياسي، متناسيا أن ملايين المتابعين يعرفونه أساسا كمعلق رياضي لا كمحلل جيوسياسي.

الجدل الحالي أعاد أيضا إلى الواجهة سجلا طويلا من المواقف المثيرة التي صدرت عنه في السابق، خصوصا تجاه المغرب. فقد تابع الجمهور المغربي مرارا كيف كان دراجي يمرر عبارات مستفزة حتى في مباريات لا يكون فيها المنتخب المغربي طرفا. وكأن الأمر تحول لديه إلى عادة أو إلى تصفية حسابات لا علاقة لها بالرياضة.

لكن المفارقة الأكبر ليست هنا. المفارقة أننا نعرف مسبقا ما سيحدث بعد ذلك. فبدل مناقشة أصل المشكلة، سيخرج جزء من الإعلام في الجزائر ليحاول جر المغرب إلى القضية وكأنه طرف فيها. سيقال إن هناك مؤامرة، وسيتم اتهام المغرب بأنه يقف خلف الحملة على دراجي، رغم أن القضية في أصلها مرتبطة بتغريداته ومواقفه الشخصية.

هذه الأسطوانة أصبحت معروفة: كلما وقع جدل يخص شخصية جزائرية يتم إقحام المغرب في القصة، حتى لو لم يكن له أي علاقة بها، وكأن الأمر محاولة للهروب من النقاش الحقيقي حول المسؤولية المهنية وحدود الخطاب الإعلامي.

في النهاية تبقى الحقيقة بسيطة: الإعلامي، مهما بلغت شهرته، ليس فوق النقد. ومن يختار الخوض في قضايا سياسية حساسة عليه أن يتحمل تبعات مواقفه. أما تحويل كل أزمة إلى شماعة يعلق عليها اسم المغرب فلن يغير شيئا من جوهر المشكلة.

Exit mobile version