الحصاد 24

خطاب العرش… فرصة لتغليب صوت الحكمة على صمت الخلاف

alt=

إدريس طيطي /الحصاد24

بمناسبة الذكرى السادسة والعشرين لتربعه على العرش، حرص الملك محمد السادس في خطابه على إعادة فتح باب الأمل في العلاقات المغربية الجزائرية، من خلال تجديد دعوته الصادقة إلى الأشقاء في الجزائر، لتجاوز حالة الجمود التي تطبع علاقة البلدين. لم تكن هذه الدعوة جديدة، بل هي امتداد طبيعي لنهج اختاره المغرب منذ سنوات، يقوم على اليد الممدودة، والحوار الأخوي، والنأي عن التراشق الإعلامي أو التصعيد السياسي، في مقابل إيمان عميق بوحدة المصير بين الشعبين الجارين.

الملك لم يتحدّث بلسان الدولة فقط، بل خاطب الشعب الجزائري بلغة وجدانية وإنسانية، مؤكدًا أن المغاربة والجزائريين إخوة، تجمعهم روابط الدين واللغة والتاريخ والجغرافيا، وأن المغرب ظلّ، بقيادته، حريصًا على إبقاء باب الحوار مفتوحًا، مهما تعقّدت الظروف، ومهما اشتدت الأزمات. في هذا الإطار، لم يكن ذكر الجزائر في الخطاب مجرّد إشارة دبلوماسية، بل تعبيرًا عن رغبة ملكية صريحة في وضع حد لهذا الوضع الذي وصفه بـ”المؤسف”، وهو توصيف يحمل بين طيّاته ألمًا سياسيًا وإنسانيًا من استمرار القطيعة، ويكشف في الوقت ذاته عن أفق سياسي بديل، ممكن وواقعي، إذا توفرت النية المشتركة.

الملك لم يتطرق إلى التفاصيل الخلافية، ولم يُحمّل المسؤولية لأي طرف، بل اختار الحديث عن الأفق المشترك، وعن الحاجة إلى تواصل وحوار، دون شروط، ودون خلفيات. وهنا تتجلّى خصوصية المقاربة المغربية، القائمة على استحضار التاريخ المشترك بين الشعبين، بدل الغرق في تفاصيل الماضي القريب، الذي زاد من تعقيد العلاقات بين البلدين. وفي هذا السياق، فإن دعوة المغرب ليست فقط لإنهاء الخلاف، بل لبناء المستقبل المغاربي على أسس جديدة، من التعاون والتكامل، وهو ما لا يمكن أن يتحقق من دون انخراط فعلي من الجزائر.

غير أن هذه الدعوة، رغم صدقها واستمراريتها، ما تزال تقابل بصمت رسمي من الطرف الجزائري، وهو صمت يزيد من تعميق الهوة، ويغذي الشكوك، ويحرم الشعبين من فرص عديدة للتكامل الاقتصادي، والتعاون الأمني، والانفتاح الثقافي. وبينما يحرص المغرب على توجيه رسائل الوئام والاحترام، يختار الطرف الآخر إغلاق الأبواب، دون مبررات واضحة للرأي العام، لا داخليًا ولا خارجيًا، وهو ما يزيد من الإحباط ويطرح تساؤلات جدية حول مستقبل العلاقات الثنائية.

وإذا كان خطاب العرش قد عبّر بوضوح عن الإرادة السياسية المغربية، فإن الكرة باتت الآن في ملعب الجزائر، التي يُنتظر منها أن تلتقط الإشارة، وتبادر بدورها إلى كسر الجمود، ورد التحية بما تستحقه من نبل وتقدير. فالزمن لا يرحم الفرص الضائعة، وتاريخ الشعوب لا يُبنى على الحواجز، بل على ما يجمعها من أواصر ووشائج. وبين المغرب والجزائر أكثر مما يفرّق، لكن هذا “الأكثر” يحتاج إلى شجاعة سياسية، وقرار سيادي مستقل، وإرادة صادقة في إعادة بناء ما هدمته سنوات الخلاف، وإلا ستظل اليد ممدودة من طرف واحد، في انتظار من يشد عليها بقوة العقل وحكمة الجوار.

Exit mobile version