الحصاد 24

حين يكون الاستفزاز طعما… والجزائريون يحولون التعليقات إلى غنيمة مالية.

alt=
إدريس طيطي
واهم من يعتقد أن الجزائري غبي، أو أن ما ينشر في بعض الصفحات الجزائرية على مواقع التواصل ناتج عن جهل أو عفوية. ما يحدث أبعد من ذلك بكثير، لأنه يقوم على وعي كامل بقواعد اللعبة الرقمية، وعلى استغلال محسوب للاستفزاز باعتباره أسرع طريق إلى الانتشار والربح.
تجد صفحات تضع تدوينات غير منطقية، غير قابلة للتصديق، بل ومستحيلة في حد ذاتها، ومع ذلك تصاغ بعناوين مثيرة:
الجزائر تستعد لعملية البرق الخاطف.
شنقريحة يتراجع عن عملية الصحن الدوار بعد تدخل السعودية.
الجزائر تخطط لغزو المغرب في ساعة.
كاتب هذه التدوينات يعلم جيدا أنها لا تقنع أحدا، ويعلم أن الواقع يُكذبها قبل أي رد، لكنه يعلم أيضا أن الغاية ليست الإقناع، بل الاستفزاز. وهذا هو الرهان الحقيقي.
الاستفزاز هنا ليس زلة قلم، بل استراتيجية. لأن صاحب الصفحة يعرف أن المغاربة، بحبهم لوطنهم وحساسيتهم تجاه أي مس به، لن يمروا على مثل هذه الادعاءات مرور الكرام. سيأتي الرد، ويأتي معه الغضب، والسخرية، والتفنيد، والهجوم الكاسح في التعليقات.
وفي منطق الخوارزميات، لا فرق بين تعليق غاضب وتعليق مؤيد. كلاهما يرفع التفاعل، وكلاهما يوسع دائرة الانتشار، وكلاهما يحول التدوينة السافهة إلى مادة رابحة. هكذا تتحول التعليقات إلى وقود، ويتحول الغضب إلى أرقام، وتتحول الأرقام إلى مداخيل تضخ في الحسابات البنكية.
المغاربة هنا ليسوا أغبياء، حاشا، بل مستفزين. والفرق كبير بين الغباء والاستفزاز. هم يدركون زيف الادعاء، لكنهم يردون بدافع الغيرة على الوطن. غير أن هذا الرد، رغم صدقه، يخدم في النهاية من كتب التدوينة، لا من فضحها.
لهذا نرى نفس الأسلوب يتكرر، ونفس العناوين تعاد بصيغ مختلفة، ونفس الصفحات تحافظ على مستويات عالية من المشاهدات. لأن أصحابها فهموا أن الحقيقة لا تهم بقدر ما يهم التفاعل، وأن الاستفزاز أسرع من المعلومة، وأكثر ربحا منها.
ويبقى السؤال معلقا:
هل الرد الغاضب يكسر هذا النوع من المحتوى؟
أم يمنحه حياة أطول وأرباحا أكبر؟
ربما آن الأوان لإعادة التفكير، لأن بعض المعارك الرقمية لا تربح بالهجوم، بل بتجفيف المنبع الذي يعيش عليه التفاعل
Exit mobile version