حين يصبح الفن ضحية الحسابات السياسية

ادارة النشر17 مارس 2026آخر تحديث :
حين يصبح الفن ضحية الحسابات السياسية
محمد زيات -ممثل ومخرج مسرحي
مرة أخرى يجد الفن نفسه في قلب معركة لا علاقة لها بالإبداع ولا بالنقد الفني، بل بالصراع الإيديولوجي ومحاولات الوصاية على المجتمع. فالموقف الذي عبّرت عنه رئيسة منظمة نساء العدالة والتنمية تجاه مسلسل بنات لالة منانة لا يمكن قراءته فقط كاختلاف في الرأي حول عمل درامي، بل كحلقة جديدة في مسلسل قديم عنوانه: تسييس الفن ومحاولة إخضاعه لمنطق الرقابة الأخلاقية والحزبية.
الفن بطبيعته مساحة للخيال، للطرح الجريء، ولإثارة الأسئلة المقلقة أحياناً. وهو ليس خطاباً حزبياً، ولا منشوراً دعائياً، ولا درساً في الوعظ الأخلاقي. لذلك فإن تحويل عمل درامي إلى ساحة للمزايدة السياسية يكشف في العمق عن أزمة في فهم وظيفة الفن داخل المجتمع.
ليس من مهمة السياسي أن يحدد للفنان ماذا يقول وكيف يقول، كما ليس من حق أي تنظيم حزبي أن ينصب نفسه حارساً على ذوق المجتمع أو وصياً على خياله. فحين يبدأ السياسي في تقييم الأعمال الفنية بمنطق الحلال والحرام أو المقبول والمرفوض سياسياً، فإننا لا نكون أمام نقد ثقافي، بل أمام محاولة تطويع الإبداع لمرجعية أيديولوجية ضيقة.
المفارقة أن بعض الأطراف التي ترفع اليوم صوتها ضد الأعمال الفنية، لم تقدم يوماً مشروعاً ثقافياً حقيقياً ينهض بالفن أو يدعم المبدعين. فبدل الاستثمار في الثقافة، أو الدفاع عن حقوق الفنانين، أو المساهمة في بناء سياسات ثقافية جادة، يتم اللجوء إلى أسهل طريق: الهجوم على الأعمال الفنية واستغلالها لتحقيق مكاسب خطابية وسياسية.
إن المجتمع الذي يخاف من الفن هو مجتمع يخاف من نفسه. لأن الفن في النهاية ليس سوى مرآة تعكس تناقضاتنا وأسئلتنا وتحولاتنا. وقد لا تعجبنا هذه المرآة أحياناً، لكنها تظل ضرورية لفهم واقعنا.
لذلك فإن النقاش الحقيقي حول الأعمال الدرامية يجب أن يكون نقاشاً فنياً وثقافياً: حول الكتابة، والتمثيل، والرؤية الإخراجية، والرسائل الاجتماعية. أما تحويلها إلى قضية سياسية أو أخلاقية كلما تعارضت مع رؤية حزب أو تيار، فذلك لا يخدم المجتمع ولا الثقافة، بل يفتح الباب أمام ثقافة المنع والوصاية.
الفن ليس خطراً على المجتمع.
الخطر الحقيقي هو حين يصبح الإبداع رهينة الحسابات السياسية، وحين يحاول البعض تحويل الخيال إلى منطقة خاضعة للمراقبة الأيديولوجية.
فالفن، في النهاية، لا يعيش إلا في فضاء الحرية.
وكل محاولة لتسييسه أو تدجينه ليست دفاعاً عن القيم، بل خوف من قوة الإبداع حين يكون حراً
اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة