حين يصبح “البوز” بديلا عن الكفاءة…: اختلال ميزان القيم في الفضاء العام
ادريس طيطي /وجهة نظر / قد أجد من لا يلامس جوهر ما أتناوله، وقد يفهم موقفي على غير وجهه الصحيح، لكني أؤكد منذ البداية: لست ضد التغيير، بل ضد كل تغيير لا يقوم على أساس الكفاءة والمسؤولية. الكلمة الكبرى يجب أن تكون للعقل، لا لضجيج البوز وتهافت الميكروفونات على كل صوت عابر بحثا عن نسب المشاهدة. أحيانا، نحن كصحافة لا نختلف كثيرا عن المشاهد العادي. نتفاعل مع ما ينشر، نواكب، نحلل، نحاول الفهم قبل إصدار الأحكام. لكن بين التفاعل المهني والانجرار وراء التفاهة خيط رفيع، قد ينقطع في لحظة إغراء إعلامي. وبينما نتابع، أحيانا بغصة، ما يروج له البعض، نصطدم بنماذج تثير أكثر من سؤال. ولعل نموذج بائع السمك يختزل هذا التحول بشكل دقيق. لم يبدأ من فراغ، بل انطلق من لحظة ذكية التقط فيها نبض الشارع. تحدث عن أثمنة السمك، لامس جيوب الناس، وخاطب إحساسهم بالغلاء، فتعاطفوا معه. كان يعلم، أو تعلم سريعا، أن الحديث باسم المواطن البسيط يفتح له باب الانتشار. وربما أدرك أيضا أن كثيرين يجهلون خبايا هذا المجال، حيث تتحكم الدلالة والسمسرة في تحديد الأثمنة، صعودا وهبوطا، وفق منطق السوق لا وفق الانطباع العام. هنا بدأ التحول. لم يعد الأمر مجرد تاجر يشرح واقعا مهنيا، بل صار يشتغل على الصورة أكثر من المضمون. خفض السعر في لحظة معينة، فبدا بطلا في أعين الناس، رغم أن تلك الخطوة قد تكون محسوبة ضمن رأس مال الشهرة، أو حتى خسارة مدروسة لاستثمار أكبر. تعاطف واسع، متابعة متزايدة، وأموال ربما جناها من الشهرة أكثر مما جناها من تجارة السمك نفسها. ومع الوقت، لم يتوقف عند هذا الحد. توسعت دائرة حضوره، لكنه ابتعد عن أصل الموضوع. لم يعد النقاش حول أثمنة السمك أو إكراهات المهنة، بل صار يتدخل في كل شيء، يعلق على كل قضية، ويبحث عن الواجهة حيثما وجدت الكاميرا. من خطاب مهني محدود، إلى شخصية عامة تبدي رأيها في كل القضايا، ثم إلى طموح معلن لدخول غمار الانتخابات وتمثيل الأمة. هنا يطرح السؤال نفسه بإلحاح: هل يكفي أن تتقن لحظة البروز حتى تصبح مؤهلا لصناعة القرار؟ المسألة ليست استهدافا لشخصه، ولا حكما على نواياه، بل نقاش حول المبدأ. فالمؤسسة التشريعية ليست امتدادا لمنصات الترند، بل فضاء يتطلب معرفة، تكوينا، وإدراكا عميقا لتعقيدات الشأن العام. وفي سياق مواز، نتابع في المجال الرياضي نماذج أخرى لا تقل إثارة للجدل. فنان له جمهوره، يتحدث عن رغبته في مساعدة فريق عريق كالنادي القنيطري، لكن سرعان ما تتحول التصريحات إلى عناوين مثيرة: يريد رئاسة النادي. بين ما قيل فعلا وما روج له، تضيع الحقيقة، ويترك المجال للتأويل. هنا أيضا، لا يمكن إعفاء لا المتحدث ولا الإعلام من المسؤولية. فالكلمة حين تلقى في الفضاء العام، تخرج من سياقها، وقد تستعمل لخلق ضجة لا علاقة لها بالواقع. ما يجمع بين هذه الحالات هو اختلال ميزان القيم في النقاش العمومي. لم يعد المعيار هو الكفاءة، بل القدرة على لفت الانتباه. ولم يعد الصوت الأقوى هو الأكثر علما، بل الأكثر إثارة. وهنا تكمن الخطورة. نحن اليوم في مرحلة لا تقبل التردد ولا العبث. مغرب يتقدم، يراكم الإنجازات، ويدخل سباقا حقيقيا مع الزمن. هذا المسار يحتاج إلى كفاءات حقيقية، إلى شباب واع، متعلم، قادر على الترافع، على التشريع، وعلى تمثيل المواطنين بجدية ومسؤولية. لا أحد ضد الشباب، بل العكس، الرهان عليهم. لكن ليس أي حضور يصلح لكل موقع. الرهان الحقيقي ليس في كبح الطموح، بل في توجيهه. وليس في محاربة الظهور، بل في ربطه بالقيمة. فبين حرية التعبير ومسؤولية التأثير، يتحدد مستقبل النقاش العمومي. وإما أن نعيد الاعتبار للمعنى، أو نترك الساحة لضجيج عابر، قد يربك المسار أكثر مما يخدمه.