الحصاد 24

حتى وإن ضعفت الأجساد تبقى الأرواح شامخة

alt=

بقلم الأستاذة/ آمال بوقديدة
.
في كل بيت، في كل حي، في كل ركن من أركان هذا الوطن، هناك شيخ أو مسن يمشي بخطى متثاقلة، لا يحمل شيئًا سوى الذكريات، ولا ينتظر الكثير… فقط أن نتذكره. أن نعامله كما يستحق، لا كما يمليه عليه عمره أو ضعفه.

رعاية كبار السن حقّ، ووصية، وميزان تُقاس به إنسانية المجتمعات. لأن الشيخوخة ليست ضعفًا، بل محطة من محطات الحياة، نصل إليها إن طال بنا العمر. وعندما يصل الإنسان إليها، لا تعود الحاجة هي للسرعة أو الإنجاز، بل للطمأنينة. للأمان. ولمن يبقى قريبا.

في ديننا، هذه المرحلة لها احترام خاص. الإسلام لم يترك الإنسان وحده وهو يكبر ويضعف، بل أحاطه بسياج من الرحمة والتقدير. الآية الكريمة التي نعرفها جميعًا لا تزال تخاطبنا كل يوم:
“فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما”
ليست مجرد نهي عن كلمة، بل عن نبرة، عن أسلوب، عن غفلة في لحظة تعب.

النبي صلى الله عليه وسلم كان يرى كبار السن بعيون الرحمة والهيبة معًا. حين جاء أبو بكر بوالده العجوز ليسلم، قال له: “لو تركت الشيخ في بيته لأتيناه”. احترام ما بعده احترام. لم يقل: دعه يأتي. بل اعتبر أن مقامه وسنّه يفرضان علينا أن نذهب إليه، لا أن نُتعبه.

وفي حديث آخر، قال بوضوح: “ليس منا من لم يرحم صغيرنا ويوقر كبيرنا”. وهذه ليست فقط مسألة سلوك، بل مسألة هوية. من نحن إذا لم نرحم؟ ما قيمتنا إذا لم نُوقر من كانوا بالأمس عماد هذه الأمة؟

المؤسف أن كثيرًا من المجتمعات باتت تنسى هذه القيم. تُهمَّش فئة المسنين باسم العصر والحداثة. يُختزل دورهم في التقاعد والانتظار. بينما الحقيقة أنهم لا يزالون يحملون في داخلهم من الحكمة والتجربة ما يفوق كل الشهادات.

لا يريد المسن أن نُشيد به في خطاب رسمي، ولا أن نُعلق له صورة في قاعة انتظار. هو يريد فقط أن نعامله بإنصاف. أن نستمع له، أن نُشعره بأنه ما زال مهمًا. أن نُدرك أن وراء صمته كلامًا كثيرًا، ووراء نظرته ألف حكاية.

في هذا اليوم، يوم كبار السن، علينا أن نراجع أنفسنا قبل أن نحتفل. أن نسأل: هل جلسنا معهم حقًا؟ هل سمعناهم بصدق؟ هل منحناهم وقتًا من وقتنا، أم فقط فتات يوم مشغول؟

كبار السن لا يطلبون ما لا نقدر عليه. فقط يريدون أن يشعروا أنهم ما زالوا بيننا. أن الحياة لم تنسهم، وأننا لم ننساهم.

ولعل أجمل ما نفعله لأجلهم، ليس الاحتفال فقط، بل أن نُعيد لهم مكانتهم، في البيت، وفي الشارع، وفي كل مساحة من هذا الوطن. لأن احترام كبارنا، هو احترام لأنفسنا قبل أن يكون لأي أحد آخر.

Exit mobile version