الحصاد 24

بين خطاب جلالة الملك وروح عيد الأضحى: هل نعي حقاً معنى التضحية.

alt=

ادريس طيطي /القنيطرة

مرة أخرى، يبرهن جلالة الملك محمد السادس عن حس عالٍ بالمسؤولية والواقعية، من خلال خطاب سامٍ دعا فيه إلى إعادة النظر في شعيرة ذبح الأضحية هذه السنة، نظراً للظروف المناخية والاقتصادية التي يعيشها المغرب.

خطاب حافل بالحكمة والإنصاف، لم يُلغِ الشريعة، بل أضاء على معانيها الأعمق: التضامن، الرحمة، والرفق بالناس، خصوصاً الفئات الهشة وذوي الدخل المحدود.

شخصياً، وجدتني منسجماً مع هذا الخطاب، بل ورأيته يحمل شحنة إنسانية عميقة، إذ لا يتعلق الأمر فقط بقطيع أغنام أو موسم تجاري كما يراه البعض، بل هو نداء صادق من أعلى سلطة في البلاد للتفكير الجماعي، لإعادة ترتيب الأولويات، ولتفعيل روح المواطنة.

غير أن المؤسف، هو أن فئة من الناس اختارت تجاهل هذا النداء النبيل، وتصرّ على ذبح الأضحية ولو خفية، في مشهد يشبه التحدي لا الطاعة، اللهفة على “الدوارة” و”الكبدة” بلغت حداً غير معقول، حتى أصبحت أسعارها في ارتفاع جنوني، والكل يتسابق نحو الجزّارين، وكأن العيد مناسبة للاستهلاك المفرط لا للتضحية.

وهنا أطرح السؤال المؤلم: هل نحن فعلاً فهمنا مغزى هذا الخطاب؟ أم أننا فقط “ننهل من الدين ما يُشبع غرائزنا” كما قيل، دون أن نستحضر المعنى الحقيقي للتضحية، لا بمفهومها الطقسي، بل بمضمونها الأخلاقي والاجتماعي؟

من اشترى خروفه سراً قبل العيد، أو ذبحه بعيداً عن أعين السلطة، لم يُطبّق الشريعة، ولم يُسهم في حفظ القطيع الوطني، ولا في استقرار أسعار اللحوم. بل ساهم – عن قصد أو عن جهل – في تكريس أزمة الغلاء، وفي تعميق الفجوة بين الفقراء والأغنياء، وفي إحراج آلاف الأسر التي لم تستطع مجاراة هذا “السباق الأضحوي”.

الخطاب الملكي لم يكن قراراً إدارياً عابراً، بل كان فرصة لإعادة بناء علاقة جديدة مع الشعيرة الدينية، علاقة قائمة على التضامن، والتقاسم، والرأفة. فأن لا نذبح، ليس خروجاً عن الدين، بل دخول إلى جوهره.

ثم إن من مقاصد هذا القرار أيضاً، الحفاظ على الثروة الحيوانية، حتى تعود وفيرة في السنة المقبلة، وتصبح اللحوم في متناول الجميع. لكن عندما نُفشل هذا المسار بتصرفات فردية غير مسؤولة، فإننا نحكم على أنفسنا بتكرار الأزمة، وربما بتفاقمها.

لذلك، أدعو إلى وقفة تأمل جماعية. فلنُدرك أن قرارات الدولة، خصوصاً حين تصدر بتوجيه ملكي سامٍ، لا تُبنى على العشوائية، بل على معطيات دقيقة واستشراف حكيم للمستقبل. علينا أن نعيد النظر في سلوكنا، وأن نفهم أن التضامن لا يُقاس فقط بالكلام، بل بالأفعال التي تُراعي وضع الآخرين، وتُقدّر مصلحة الوطن فوق كل شيء.

فلنُعد للعيد روحه، لا في دم الأضحية، بل في دماثة المعاملة، وفي دفء التكافل، وفي احترام نداء الوطن حين ينادينا باسم العقل والرحمة معاً.

Exit mobile version