بين الحقيقة والإشاعة… حين تتحول مواقع التواصل إلى مصنع للخوف
إدريس طيطي/مجرد رأي في الأسابيع الأخيرة، انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي موجة من الأخبار والتسجيلات الصوتية ومقاطع الفيديو التي تتحدث عن حالات اختطاف أطفال في عدد من المدن المغربية. تدوينات متلاحقة، وبثوث مباشرة، ورسائل يتم تناقلها بسرعة عبر تطبيقات التراسل، جعلت الكثير من الناس يعيشون حالة من القلق والخوف، حتى أصبح السؤال يتكرر بين الجميع: هل ما يحدث حقيقة أم مجرد إشاعات تضخمت مع سرعة الانتشار؟ بطبيعة الحال، لا أحد ينكر أن بعض الحالات قد تقع هنا أو هناك، وأن أي اختفاء لطفل أو حادث مشابه يستدعي الانتباه والبحث والتدخل السريع من طرف المصالح المختصة. فحماية الأطفال مسؤولية مشتركة بين الأسرة والمجتمع والمؤسسات. لكن ما يثير الانتباه في هذه المرحلة هو حجم التهويل الذي أصبح يرافق مثل هذه الأخبار، إلى درجة أن أي حادثة أو رواية غير مؤكدة تتحول في دقائق إلى قصة اختطاف منظمة، بل ويتم ربطها أحيانا بادعاءات أخطر مثل الاتجار بالأعضاء. وعند العودة إلى البلاغات الرسمية التي صدرت في هذا السياق، يتضح أن كثيرا من الأخبار التي انتشرت لم تكن دقيقة. فقد نفت المديرية العامة للأمن الوطني في أكثر من مناسبة تسجيل حالات اختطاف للأطفال مرتبطة بالاتجار بالأعضاء كما تم الترويج له في بعض الصفحات والمنشورات. كما أوضحت أن عددا من المقاطع والتسجيلات التي يتم تداولها تعود إلى وقائع قديمة أو إلى حالات لا تحمل أصلا أي طابع إجرامي. بل إن بعض الأمثلة التي تم تداولها خلال هذا الشهر نفسه تكشف حجم الالتباس الذي يمكن أن تصنعه مواقع التواصل. فقد تم الترويج لمنشورات تزعم توقيف سيدة منقبة وزوجها للاشتباه في اختطاف أطفال، قبل أن تؤكد المصالح الأمنية أن هذه الأخبار غير صحيحة ومشوبة بالتحريف. وفي واقعة أخرى أعيد تداول مقطع فيديو لامرأة تتحدث عن اختفاء شقيقين قاصرين، ليتم تقديمه وكأنه حادث جديد يحمل خلفية إجرامية، بينما تبين أن القضية تعود إلى سنة 2025 وأن الطفلين كانا قد غادرا المنزل طوعا قبل العثور عليهما لاحقا دون أي اعتداء. وتفرخت وانتشرت طرق التبليغ بالاختفاءات من مباشرات وتدوينات ومقالات، وربما تصادفك العديد من حالات الاختفاء التي تجعلك تفكر كيف تداولت بهذه السرعة وتنوعت، ما يجعلك تشك بين من يتكلم بالنباسدشر والآخر عبد تدوينة أو مقال … ماذا جرى؟ ضحايا مقر يصدقون تجدهم بمحرطون في الصفحة، وهذا مبتغاهم. هذه النماذج ليست سوى أمثلة بسيطة عن الطريقة التي يمكن أن تتحول بها حادثة عادية أو واقعة قديمة إلى خبر مثير يزرع الخوف بين الناس. فمواقع التواصل الاجتماعي، رغم ما تتيحه من سرعة في نقل المعلومات، أصبحت أيضا فضاء تنتشر فيه الأخبار دون تحقق، حيث يكفي تسجيل صوتي أو تدوينة قصيرة حتى يبدأ مسلسل من التفسيرات والتأويلات التي تضخم الحدث وتخرجه عن سياقه الحقيقي. المشكلة لا تكمن فقط في انتشار الإشاعة، بل في الدوافع التي تقف وراء نشرها. فالبعض يبحث عن التفاعل ورفع عدد المتابعين، وآخرون يركبون على الأحداث من أجل لفت الانتباه أو تحقيق حضور رقمي أكبر، دون التفكير في الآثار التي قد تتركها مثل هذه الأخبار على نفسية الأسر وعلى شعور المواطنين بالأمن والطمأنينة. ولا شك أن الخوف على الأطفال شعور طبيعي ومشروع، بل هو واجب على كل أسرة أن تحرص على متابعة أبنائها وتوجيههم وحمايتهم. غير أن هذا الحرص يجب ألا يتحول إلى حالة من الهلع الجماعي الذي تصنعه الأخبار غير الموثوقة. فالمجتمع يحتاج إلى اليقظة، لكنه في الوقت نفسه يحتاج إلى الثقة وإلى التعامل مع المعلومات بوعي ومسؤولية. لهذا يبقى من الضروري التمييز بين الخبر المؤكد والإشاعة، والاعتماد على المصادر الرسمية والموثوقة قبل تصديق أي رواية يتم تداولها. فليس كل ما ينتشر على الهواتف صحيحا، وليس كل تسجيل صوتي يعكس حقيقة ما وقع. إن أخطر ما يمكن أن تفعله الإشاعة هو أنها تزرع الخوف في النفوس وتخلق شعورا بانعدام الأمن، حتى عندما لا يكون هناك ما يبرر ذلك. ولذلك فإن أولى بالإنسان أن يتحرى الحقيقة قبل أن يشارك خبرا أو ينقله إلى الآخرين، لأن كلمة واحدة غير دقيقة قد تتحول في لحظات إلى موجة من القلق لا داعي لها. فبين اليقظة المطلوبة والتهويل غير المسؤول، يبقى الوعي هو الطريق الأقصر لحماية المجتمع من الخوف المصطنع، تماما كما نحمي أبناءنا من المخاطر الحقيقية.