إدريس طيطي
لقد اخترت ان اتناول هذا الموضوع من باب المعالجة لا من باب الخبر، فانا لا يهمني ان اجعل من قضية غيثة عصفور مادة صحفية، بقدر ما يثير استغرابي ذلك التفاعل المبالغ فيه الذي اجتاح منصات التواصل الاجتماعي. تفاعل تحول بسرعة الى تشهير وقذف وسب، في صورة واضحة عما يمكن ان اسميه بلا تردد تسيب فيسبوكي، بل هو في عمقه تسيب صفحاوي لا يليق بمجتمع يدعي احترام القانون.
ما وقع لم يكن سوى واقعة قضائية عادية، كان يفترض ان تظل بين يدي العدالة، لتقول كلمتها في هدوء، ثم ينتهي الامر. لكن ما رأيناه كان مسرحا مفتوحا، سرحا مؤقتا لعب فيه الفيسبوكيون ادوار القضاة والمحلفين، غير مدركين ان بعض كلماتهم قد تجرهم هم انفسهم الى المساءلة القانونية، بل وربما الى السجن المباشر. المثير ان هذا الحماس لم يكن نابعا من وعي قانوني او حرص على المصلحة العامة، بل من لهفة على البوز، ورغبة سطحية في الاستعراض.
اليوم، وقد حكمت المحكمة ببراءة غيثة عصفور، يحق لنا ان نتساءل: ماذا سنقول الان عن تلك الصور التي عمرت هواتفنا كالعادة، وانتشرت كالنار في الهاشم، حتى وصلت الى الكبير والصغير؟ ماذا عن تلك الصفحات التي صبت جام التشهير والادانة قبل ان يقول القضاء كلمته؟ ماذا عن كل ذلك التفاعل الذي لم يكن سوى وهم على شاشة زرقاء؟
لقد اظهرت هذه القضية اننا في حاجة الى صرامة حقيقية في مواجهة هذا التسيب، لان ترك الحبل على الغارب يعني اننا سنفقد في ظرف وجيز قيم اساسية مثل الستر والعدل والانصاف. فالمتهم بريء حتى تثبت ادانته، وهذه قاعدة بديهية، لكن البعض لم يعد يعترف بها، وفضل ان يحول حياة الناس الخاصة الى فرجة رخيصة.
انني اؤكد مرة اخرى انني لم اتناول هذه الواقعة كمادة صحفية، ولم يكن هدفي اثارة فضول الرأي العام، بل فقط معالجة سلوك مستفز ومشين، سلوك يكشف الى اي حد يمكن ان ينقلب الفضاء الفيسبوكي الى فضاء خطر، يوزع الاحكام بلا رقيب، ويمارس التشهير بلا حساب.
لقد اخذت عصفور براءتها، اما نحن فما زلنا مطالبين بان نأخذ درسنا، ونفهم ان الصورة التي تنتشر في لحظة طيش يمكن ان تدمر حياة كاملة، وان الكلمة التي نكتبها في لحظة انفعال قد تجرنا نحن الى محكمة لا ترحم..
