إدريس طيطي / مجرد رأي وإن كان كذلك، فأعترف أنني، كواحد من المغاربة، انفعلت وتوترت وحزنت. وهذا أمر طبيعي. كرة القدم تفعل ذلك بنا. لكن، والحمد لله، لم أنهزم داخليا ولم أنهَر. عدت إلى عملي، وأمارس واجبي المهني. ومع مرور الوقت سيتلاشى هذا الحزن، لأن كرة القدم في النهاية خسارة وانتصار. ما لا يزول ولا ينسى هو اللؤم والخبث. أشد بكل قوة على أيادي مقاتلينا، لاعبينا المغاربة. ما وصلوا إليه لم يكن صدفة ولا ضربة حظ. هم مغاربة حتى النخاع. بكوا وحزنوا لأن رغبتهم كانت صادقة في أن يبقى الكأس في الدار، في الوطن، في المغرب الجميل. هذا المغرب الذي لا يعرف الخبث ولا اللؤم. نعم، كانت هناك أخطاء تقنية، وهذا طبيعي في كرة القدم، وسيناقشها أهل الاختصاص بهدوء ومسؤولية. دعونا نكون واقعيين ومنصفين. عدم التتويج بكأس إفريقيا ليس نهاية العالم. فرحنا كثيرا في السنوات الأخيرة دبلوماسيا صحراؤنا المغربية في الجيب رغم الصعوبات ثم إنجازات كروية كبيرة، من التتويجات القارية، إلى الحضور المشرف في المنافسات الدولية، وآخرها كأس العرب، وكأس العالم للشباب. كرة القدم مسار طويل، لا تختزل في بطولة واحدة. والتاريخ شاهد على أن دولا نظمت بطولات وهناك من خرجت مبكرا دون أن يسقط ذلك قيمتها، مثل قطر، ومنتخبات خرجت وهي مستضيفة، بل وحتى فرنسا في محطات سابقة امريكا ثم الشيلي في كأس العالم للشباب . هذه هي كرة القدم، روح رياضية قبل أن تكون ألقابا. ثانيا، تونس. الشعب التونسي أكد مرة أخرى رقيه ومحبة صادقة للمغرب، محبة من الأعماق، بلا حسابات ولا خبث. وهذا ليس جديدا. لذلك نتمنى، بكل صدق، أن تتعزز العلاقات الدبلوماسية أكثر بين تونس والمغرب، وأن نتبادل الزيارات، إكراما لشعب راق وجميل، لأن ما يجمعنا أكبر من كرة قدم وبطولات. أما بخصوص ما وقع في النهائي، فأقولها بوضوح: لم أر خبثا في بطولة قارية مثل ما صدر عن مدرب السنغال. سلوك غير مقبول، محاولات ضغط، وفوضى كادت أن تخرج عن السيطرة، وكان من الممكن أن تسبب مخاطر حقيقية للبلاد. الضيف، أخلاقيا، مطالب باحترام البلد المضيف، خاصة وأن المغرب كان دائما كريما مع الجميع، لا يترك أحدا يشعر بالغربة فوق أرضه. الفوز بهذه الطريقة كان بطعم اللؤم، لا بطعم الأخلاق الرياضية. ونقطة لا تقل خطورة، وهي سلوك الجمهور السنغالي، الذي لم نكن ننتظره بتاتا. ففي اللحظة التي تمرد فيها مدرب منتخب السنغال على القوانين التحكيمية، واحتج على قرار الحكم بمحاولة الخروج من المباراة بسبب ضربة جزاء قانونية، انجر جزء من الجمهور إلى فوضى غير مقبولة. هذه الفوضى أسفرت عن إصابة عدد من المواطنين المغاربة، من عناصر الأمن والصحافة وغيرهم، بعضهم إصاباته كانت خطيرة، وكادت الأمور أن تخرج عن السيطرة، لولا حنكة الدولة ويقظة الأجهزة التي تدخلت بسرعة ونجحت في احتواء الوضع وإرجاع الأمور إلى نصابها. ما وقع يطرح أكثر من علامة استفهام، ويجعل الاتحاد الإفريقي لكرة القدم مطالبا بتحمل مسؤوليته كاملة. فمدرب متمرد، يضرب عرض الحائط بالقوانين والأعراف، لا يمكن أن يمر فعله دون محاسبة، حفاظا على سلامة الجميع وهيبة المنافسات القارية. وبخصوص المنتخب المغربي، لا بد من وقفة إنصاف. إبراهيم دياز لاعب قاتل بروح وطنية عالية، وقدم مجهودا كبيرا في كل المباريات، ولا أحد ينكر عطائه أو إخلاصه. لكن في المباريات المصيرية، وخصوصا في الدقائق الأخيرة، لكل تفصيل قيمته. تنفيذ ضربة الجزاء بتلك الطريقة لا يكون إلا عندما تكون النتيجة محسومة، حين تكون متقدما بأربعة أو خمسة أهداف. في النهائيات، لكل لحظة وزنها، وكل قرار يحسب. ليست معاتبة بقدر ما هي ملاحظة، ودرس كروي طبيعي، لأن كرة القدم تعلمنا أن اللحظة قد تصنع مجدا أو تضيع حلما. أما الجزائر، فلا يمكن تجاهل ما صدر عن إعلامها. خطاب مليء بالكذب والتزوير والتلفيق، نباح من داخل الاستوديوهات، دون أي إنجاز يذكر على أرض الواقع. حقد واضح اتجاه المغرب، لأن المغرب تفوق تنظيميا وبنية تحتية واقتصاديا. واقع معروف، ومحاولة تغطية الفشل تكون دائما بالصراخ الإعلامي لا بالعمل. وبخصوص بعض الأصوات المصرية، نؤكد مرة أخرى أننا لا نعمم. نحب الشعب المصري، وخروجه للاحتفال أمر طبيعي وردة فعل مفهومة. لكن رأس الفتنة كان مدربهم حسام حسن، ومعه بعض الإعلاميين الذين اختاروا تزوير الحقائق بدل نقلها بمهنية، وهذا غير مقبول. في الأخير، أقولها بصدق: كرة القدم تنسى. الخسارة تنسى. حتى الانتصار يزول. لكن اللؤم يبقى، والخبث لا يمحى. والمغرب سيبقى، بقيمه وأخلاقه وتنظيمه، رقما صعبا، مهما علا النباح..