بقلم: الإعلامي والسيناريست “أحمد بوعروة”
في كل فاتح ماي، تخرج الفئات المهنية إلى الشوارع حاملة شعاراتها ومطالبها، مُعلنة عن استمرار معركتها من أجل العدالة الاجتماعية وتحسين شروط العمل. تحتشد النقابات، ترتفع الأصوات، تُرفع اللافتات، وتتوالى البيانات والتصريحات. لكن وسط هذا المشهد، هناك غياب صارخ لا يلتفت إليه كثيرون: أين الفنان؟
الفنان المغربي، ذاك الذي اختار أن يجعل من الإبداع مهنته، ومن الفن سبيله في الحياة، يقف خارج هذا الإطار الاحتفالي/النضالي. لا نقابات قوية تُمثّله، لا حضور مؤثر في بيانات عيد الشغل، ولا اعتراف واضح بمكانته ضمن خارطة الشغيلة. فهو العامل الذي لا يُعترف به، والمشتغل الذي لا يشمله قانون الشغل، والمُنتِج الذي لا تراه الدولة كطرف اقتصادي مؤثر.
في الوقت الذي يُطالب فيه الموظف بتحسين ظروف الترقية، والعامل بالزيادة في الأجر، يكتفي الفنان بالتذكير بحقه في الاعتراف. الاعتراف بأن الفن ليس ترفًا ولا تطوعًا، بل مهنة قائمة الذات، تتطلب سنوات من التكوين، والبحث، والمثابرة، وتُنتج قيمة رمزية ومادية لا تقل أهمية عن باقي القطاعات.
لكن المشكل لا يكمن فقط في غياب الحقوق، بل في غياب المنظور المؤسسي الذي يرى في الفنان كائنًا اجتماعيا له وضع مهني خاص، يحتاج حماية قانونية، وتغطية اجتماعية، ومكانة معنوية داخل السياسات العمومية. فالعمل الفني لا يخضع لمنطق الأجر القار، ولا للترسيم، ولا لتوقيت محدد. إنه عمل هشّ بطبيعته، يتطلب تشريعات خاصة، لا تزال مؤجلة في المغرب، رغم الخطابات والوعود المتكررة.
في عيد الشغل، يتحول الفنان المغربي إلى مرآة مجتمعية حزينة. يراقب من بعيد زملاءه في قطاعات أخرى وهم يحتفلون، بينما يطارد هو عروضا مؤجلة، ودعما موسميًا، وفرصًا محدودة. لا يملك أفقًا تقاعديًا، ولا تغطية صحية محترمة، ولا أجرًا ثابتًا. يعيش بين المواسم، ويشتغل حين تتاح الفرصة، ويصمت حين يغيب العمل، لا عن قناعة بل عن اضطرار.
ورغم ذلك، لا يتوقف الفنان عن العطاء. لا يضرب عن العمل لأنه ببساطة لا يملك ما يضرب عنه، ولا ينزل إلى الشارع لأن صوته لم يُسمع بعد داخل الهياكل المؤطرة. بل يواصل مسيرته بنوع من الصبر الإبداعي، والإيمان بأن الفن، رغم الإهمال، هو في ذاته مقاومة ضد التهميش واللاعدالة.
لذلك، فإن الحديث عن “عيد الشغل” في علاقته بالفنان المغربي، لا يجب أن يبقى مجرد تعاطف عابر، بل يجب أن يتحول إلى سؤال سياسي وتشريعي وأخلاقي: متى يُدرج الفنان في قوانين الشغل كعامل منتج؟ متى يُعامل الإبداع كمهنة لا كهواية؟ ومتى يتحول خطاب “دعم الثقافة” إلى مشروع متكامل للاعتراف بالفن كركن من أركان التنمية؟
لعل الاحتفال الحقيقي بعيد الشغل، بالنسبة للفنان، لا يكون بالخروج إلى الشارع، بل بخروج الدولة والمجتمع من صمتهما تجاه قضيته.











