الحصاد 24

الطفل أمانة.. فهل نحسن حملها؟

alt=

ادريس طيطي /القنيطرة

رغم أنني تطرقت لهذا الموضوع في أكثر من مناسبة، إلا أني أجد نفسي مضطرا للعودة إليه، لأن الأمر لا يحتمل السكوت. نحن لا نتحدث عن نشاط عابر، بل عن التربية، عن الطفل، عن الجيل القادم، عن من سيسلم له الوطن غدًا. الحديث عن الجمعيات التربوية بات أمرًا ضروريًا، فليس كل من أراد أن يؤسس جمعية تربوية يُعطى له الحق بذلك هكذا بسهولة، وكأننا نتعامل مع ملفات إدارية فقط، لا مع مصير أجيال.

الجمعية التربوية مسؤولية، أمانة، تكليف لا تشريف. يجب أن تُسند لمن يستحقها، لمن له تراكم وتجربة ميدانية، أو على الأقل مستوى أكاديمي وتكويني يمكنه من فهم الطفل والتعامل معه. الطفل ليس كائنًا بسيطًا، بل هو مشروع إنسان، يحتاج من يرافقه بتأطير تربوي سليم، لا من يركب الموجة ويُتاجر باسم التربية وهو لا يفقه عنها شيئًا.

ما نراه اليوم يدعو للقلق. أطفال في عمر الزهور، 10 و11 و12 سنة، يتجولون وحدهم، يتحينون الفرصة للتسلل إلى الملاعب لمتابعة مباراة في كرة القدم. الأمر لا يتعلق بساعة أو ساعتين، بل يتطلب أكثر من ثلاث ساعات من التواجد خارج البيت، منها ساعة قبل الدخول وساعة بعد الخروج وساعتان على الأقل لمتابعة المباراة. أين الأسر؟ أين الآباء؟ أين الأمهات؟ هل كل هؤلاء موتى من الداخل؟ بلا إحساس، بلا مشاعر، لا يخافون على أطفالهم؟ أصبحنا نرى بيوتًا تحولت إلى فنادق: نوم وأكل فقط، لا اهتمام، لا متابعة، لا تربية.

في المقابل، المدرسة تبقى ركيزة أساسية في بناء شخصية الطفل، ولا يمكن إنكار جهود رجال ونساء التعليم، الذين يؤدون دورًا تربويًا وتعليميًا نبيلًا. لكن، ومن خلال بعض المشاهد التي رأيناها، لا بد أن نعترف بأن بعض الأطر قد تفتقر إلى الكفاءة التربوية أو النفسية اللازمة للتعامل السليم مع الطفل. هذا لا يُنقص من قيمة الجسم التربوي، بل يُحيل على ضرورة التكوين المستمر والدعم المؤسساتي حتى يُمكن لجميع العاملين في الميدان أداء رسالتهم بأفضل وجه، بما ينسجم مع حاجيات الجيل الجديد وتحدياته.

ثم تأتي الجمعيات، التي من المفروض أن تسد هذه الفجوة، فإذا بها بدورها عاجزة، أو أسوأ، يتحكم فيها من لا علاقة له لا بالتربية ولا بالتأطير. جمعية تربوية دون روح تربوية، دون تكوين، دون كفاءة، تسلم لها أمانة الطفل، فتساهم في ضياعه بدل إنقاذه.

لهذا، أقولها بكل وضوح: لا بد للدولة أن تتشدد، أن تضع معايير صارمة، وأن تراقب. لا يمكن أن نمنح وصل إيداع لجمعية تربوية لمجرد أن المؤسس قرر ذات صباح أن يدخل هذا المجال. التربية ليست تجربة، بل مسؤولية، لا يتحملها إلا من كان أهلًا لها.

والحل؟ لا يمكن أن يكون إلا جماعيًا. الأسرة أولًا، ثم المدرسة، ثم الجمعية، في إطار تكامل تحت إشراف الدولة. هكذا فقط نبني جيلًا مسؤولًا، يعرف ما له وما عليه، يحب وطنه، يحترم دينه، يعتز بأسرته. جيل لا يضر، بل يعمر ويبني.

لأن الطفل أمانة، ومن لا يقدر على حمل الأمانة، فليتركها لأهلها.

Exit mobile version