الحصاد 24

السردين المغربي تحت الضغط عندما تتحول ثروة الأقاليم الجنوبية إلى إنذار أحمر في تقارير الفاو

alt=
بقلم/ سيداتي بيدا
لم يعد الحديث عن السردين مجرد نقاش حول أسعار السمك في الأسواق أو حجم المصطادات التي تدخل الموانئ المغربية. المسألة أكبر بكثير؛ إنها تتعلق بثروة بحرية تشكل أحد أعمدة الاقتصاد الأزرق، وبمورد طبيعي لا يمكن التعامل معه بمنطق أن البحر خزينة مفتوحة لا تنفد.
وتأتي تحذيرات منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة «الفاو» لتضع ملف استدامة المخزونات السمكية في صدارة النقاش، بعدما أشار تقريرها إلى أن عدداً من المخزونات لا يزال يواجه ضغوطاً قوية، فيما تظل مخزونات السردين تحديداً متأثرة باستغلال طويل الأمد وتظهر عليها علامات استنزاف في بعض المناطق التي شملها التقييم.
وإذا كان التقرير يخص أساساً البحر المتوسط والبحر الأسود، فإن الرسالة الأوسع لا ينبغي أن تمر مرور الكرام على المغرب، خصوصاً أن السردين يحتل موقعاً بالغ الأهمية في المصايد الأطلسية، من الشمال إلى الأقاليم الجنوبية، مروراً بالعيون وبوجدور والداخلة.
بل إن برنامج «الفاو–نانسن» أجرى مسحاً علمياً واسعاً في مياه شمال غرب إفريقيا، شارك فيه علماء وتقنيون مغاربة، بهدف دراسة وفرة وكتلة وتوزيع الأسماك السطحية الصغيرة، وعلى رأسها السردين، الذي ينتشر على امتداد المنطقة من موريتانيا نحو السواحل المغربية. وأكدت المنظمة أن فهم تأثير الصيد والعوامل البيئية بات ضرورياً لضمان صحة المخزونات والنظم البحرية.
وهنا تحديداً ينبغي أن يعلو صوت السؤال: إلى متى يمكن الاستمرار في الضغط على مورد بحري بهذه الأهمية دون أن يصبح ثمن الاستنزاف أكبر من عائداته؟
الأقاليم الجنوبية ليست مجرد منطقة صيد إنها واجهة بحرية استراتيجية، وموانئها مرتبطة بسلسلة اقتصادية واسعة تضم الصيادين وأرباب القوارب والوحدات الصناعية والنقل والتسويق والتصبير والتجميد.
لكن حماية هذه المنظومة لا تعني التضييق على المهنيين أو تحميل الصياد وحده مسؤولية الاختلالات، بل تعني بناء سياسة بحرية أكثر صرامة تقوم على المعطيات العلمية، ومراقبة المخزونات، واحترام فترات الراحة البيولوجية، ومحاربة الصيد غير القانوني، وضمان التوازن بين الاستثمار وقدرة البحر على التجدد.
فالنجاح الحقيقي ليس في أن تخرج السفن محملة اليوم، وإنما في أن تظل الثروة موجودة غداً.
وتكشف تجربة المنطقة المتوسطية أن خفض ضغط الصيد يمكن أن يحقق نتائج ملموسة؛ فقد سجل تقرير «الفاو» انخفاضاً بنحو 50% في ضغط الصيد خلال العقد الأخير وارتفاعاً في الكتلة الحيوية للمخزونات المقيمة، رغم بقاء 52% من المخزونات الخاضعة للتقييم في حالة استغلال مفرط.
وهذه هي الرسالة التي ينبغي ان تصل الى كل من يهمه مستقبل السواحل الجنوبية لا يمكن حماية الاقتصاد الازرق من دون حماية البحر نفسه
فالسردين ليس مجرد سلعة تقاس بالكيلوغرام انه ثروة وطنية واستمرارها مسؤولية علمية واقتصادية وبيئية واذا كان البحر قد أعطى الكثير فقد حان الوقت للتأكد من اننا لا ناخذ منه اكثر مما يستطيع ان يعيد إنتاجه .
Exit mobile version