الحصاد 24

الروح فوق كل اعتبار.. إخلاء القصر الكبير مع تشديد المراقبة بالدرون

alt=
إدريس طيطي
لا يمكن أن يختلف اثنان في مسألة أساسية، وهي أنه ليس هناك أغلى من الروح التي خلقها الله. وحين نتحدث عن حماية النفس والأسرة والأطفال والإنسان عموما، فإن كل نقاش آخر يصبح ثانويا. قد يكون هناك من قصر في حماية نفسه، وفي ذلك كلام كثير لا مجال للدخول فيه من زاوية الفتوى، لكن ما يهم اليوم هو الواقع القائم وما تفرضه الضرورة.
نحن أمام وضع استثنائي تعيشه مدينة القصر الكبير، حيث تمت عملية إخلاء السكان كإجراء وقائي فرضته المخاطر المرتبطة بارتفاع منسوب المياه والفيضانات. وهو قرار ليس سهلا على الإنسان، لما يحمله من قلق وخوف وارتباط عاطفي بالمكان، لكنه يصبح ضرورة حين تتعلق المسألة بالأرواح، بحماية الناس وعائلاتهم، وبحماية الوطن ككل.
فالامتثال لقرار الإخلاء في مثل هذه الظروف ليس ضعفا ولا تهورا، بل وعي ومسؤولية. كل شيء يمكن أن يعود، وكل شيء قابل للتعويض، أما الروح فلا تعوض. ستعود الأمور إلى نصابها، وسيعود المواطنون إلى بيوتهم ومجالهم الطبيعي، لكن الأهم أن يعودوا سالمين.
صحيح أن اللحظة صعبة، وأن الغضب والارتباك أمران طبيعيان، لكن الواجب في مثل هذه اللحظات هو تقديم العقل والحكمة، وعدم التردد في الامتثال للقرارات التي تضع سلامة الإنسان فوق كل اعتبار، لأن ما هو أغلى من الممتلكات هو الإنسان نفسه، ومن نحبهم ونخاف عليهم.
وفي المقابل، تبرز مسؤولية لا تقل أهمية، وهي حماية ممتلكات المواطنين الذين اضطروا إلى ترك بيوتهم وأمتعتهم خلفهم. هنا تبرز مسؤولية الدولة في تشديد المراقبة، لأن الواقع المؤلم يؤكد أن هناك من لا يخاف الله، ولا يراعي ظروف الناس ولا مشاعرهم. إنسان يترك كل شيء اضطرارا، فيأتي من يطمع فيما تركه، فأي وقاحة ونذالة أكبر من هذا.
من هنا، يصبح من الضروري توظيف كل الوسائل المتاحة، بما فيها الدرونات والمراقبة الجوية والميدانية، لحماية ممتلكات المواطنين وردع كل من سولت له نفسه استغلال هذه الظروف العصيبة. لقد جاء دور هذه الوسائل لتكون أداة حماية لا استعراض، وضمانة لطمأنة السكان بأن بيوتهم تحت المراقبة وأن الدولة حاضرة بكل حزم.
كما أن هذه الأزمة يجب أن تكون لحظة تضامن وطني حقيقي، لحظة يظهر فيها المغربي الذي نعرفه، الذي لا يترك أخاه وقت الضيق، والذي يجعل من التعاون والنظام والانضباط سلوكا جماعيا ونموذجا يقدمه المغرب للعالم. فلا مكان بيننا للانتهازيين ولا للاستغلاليين، ولا للذين يتاجرون بمآسي الناس.
أما مسألة التقصير في البنية التحتية، وتدبير قنوات تصريف المياه، وأوجه الخلل التي كشفت عنها هذه الفيضانات، فهي ملفات ستعود للنقاش لاحقا. لا بد من التقييم، ولا بد من المحاسبة، ولا بد أن ينال كل من قصر جزاءه، لكن لكل مرحلة أولوياتها، ولكل ظرف منطقه.
اليوم، الأولوية الواضحة والصريحة هي حماية الأرواح، كما شدد على ذلك صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله، بتعليمات صارمة وجلية لا لبس فيها، أساسها أن لا تضيع روح واحدة بسبب الفيضانات، وأن تبذل كل الجهود الممكنة، مع الإيمان بأن الأمر كله بيد الله سبحانه وتعالى.
فالروح أولا، ثم كل شيء بعد ذلك.
Exit mobile version