في بيئة العمل، لا تقف كفاءة المؤسسة عند حدود الانظمة واللوائح، وتتجاوزها الى طبيعة القيادة التي تديرها. فاسلوب المسؤول هو العامل الاكثر تاثيرا في تشكيل المناخ المهني، اما نحو بيئة منتجة قائمة على الثقة، او نحو فضاء مشحون بالتوتر والاستنزاف. ومن بين الانماط التي تفرض حضورها في هذا السياق، يبرز ما يعرف بالرئيس النرجسي، وهو نموذج يبدو في ظاهره قويا وواثقا، ويحمل في داخله اختلالات تؤثر تدريجيا على توازن العمل. في البداية، قد يلفت هذا النمط الانتباه بحضوره الحاسم وثقته العالية، اذ يتحدث بلغة الواثق من قراراته، ويظهر قدرة على الحسم السريع. غير ان هذا الانطباع لا يلبث ان يتغير مع الاحتكاك المباشر، حيث يتضح ان هذا الاطمئنان ليس دائما قائما على رؤية جماعية، وانما على قناعة راسخة بتفوق الذات. فالرئيس النرجسي يميل الى وضع نفسه في مركز الصورة، ويرى ان نجاح العمل امتداد طبيعي لكفاءته، في حين يتضاءل دور الاخرين في نظره، مهما كانت مساهماتهم. هذا التمركز حول الذات يرافقه احتياج مستمر للتقدير، لا بوصفه حافزا طبيعيا، وانما كشرط ضمني لاستمرار العلاقة المهنية. فالثناء يقابل بالارتياح، اما النقد حتى لو كان موضوعيا فيستقبل بحساسية قد تتحول الى موقف دفاعي او توتر في التعامل. ومع مرور الوقت، يتشكل لدى الفريق نوع من الحذر، حيث يتجنب الافراد ابداء ارائهم الصريحة، ويفضلون السلامة على المواجهة، ولو على حساب جودة العمل. ولا تقف الاشكالية عند هذا الحد، وتمتد الى طريقة ادارة النجاحات والاخفاقات. ففي حالات النجاح، يميل هذا النمط الى نسب الانجاز لنفسه، باعتباره صاحب الرؤية والقرار، وعند التعثر، يتجه اللوم نحو الفريق او الظروف. هذا الاسلوب لا يخلق فقط شعورا بعدم العدالة، ويضعف ايضا روح المبادرة، اذ يفقد الافراد الدافع لبذل جهد اضافي لا يعترف به. كما يظهر جانب اخر اكثر عمقا، يتعلق بضعف التعاطف في التعامل مع الاخرين. فالرئيس النرجسي غالبا ما ينظر الى الامور من زاوية شخصية، فيغيب البعد الانساني في كثير من المواقف. لا يعني ذلك غياب الكفاءة، وانما غياب التوازن بين الحزم والفهم، وهو ما يؤدي الى اتساع الفجوة بينه وبين فريقه، ويحول العلاقة المهنية الى علاقة رسمية جافة تفتقر الى الثقة. ومع تراكم هذه السلوكيات، تبدأ اثارها بالظهور على مستوى المؤسسة ككل، اذ تنخفض المبادرة، ويضعف الابداع، وتتحول بيئة العمل الى مساحة اداء روتيني بدل ان تكون مجالا للتطوير. وقد يصل الامر الى فقدان الكفاءات التي تبحث بطبيعتها عن بيئة تقدر الجهد وتحتضن الافكار.
يبدو ان هذا النوع من المديرين التنفيذيين لا يدير مؤسسة بقدر ما يدير مسرحا، هو فيه البطل الاوحد، والبقية مجرد كومبارس يصفقون في الوقت المناسب.