الحصاد 24

الحكم الذاتي في الصحراء: مشروع وطني بروح دولية

alt=

بقلم المستشار الدكتور/ حسن بن ثابت
يتساءل الكثيرون عن طبيعة الحكم الذاتي في الصحراء وكيف سيتم تطبيقه ضمن الإطار السيادي للمملكة المغربية. وفق الرؤية المغربية المتبصرة، يمثل هذا المشروع صيغة متقدمة من اللامركزية السياسية والإدارية، تكرّس مشاركة الساكنة المحلية في تدبير شؤونهم، مع الحفاظ على وحدة الدولة وثوابتها الدستورية. ويمكن القول إن هذه المقاربة تجمع بين السيادة الوطنية ومتطلبات التنمية، وتوازن بين الواقعية السياسية والرؤية الاستراتيجية بعيدة المدى.

يعتمد الحكم الذاتي على تمكين سكان الأقاليم الجنوبية من إدارة شؤونهم المحلية في مختلف المجالات. وسيتم إنشاء مؤسسات جهوية منتخبة تتولى الإشراف على الإدارة المحلية والأمن والشرطة الجهوية، بالتنسيق الكامل مع السلطات المركزية. كما سيتولى الإقليم إعداد وتنفيذ الخطط الاقتصادية والاجتماعية، وتشجيع الاستثمار وتنمية قطاعات التجارة والسياحة والصناعة التقليدية، إلى جانب إدارة الجبايات والميزانية المحلية بآليات شفافة ومسؤولة.

تشمل الصلاحيات أيضًا الإشراف على البنية التحتية، والنقل، والطاقة، والمياه، والتخطيط العمراني، وتوفير خدمات الصحة والتعليم والتشغيل وفق أولويات التنمية الجهوية. كما سيتم انتخاب برلمان جهوي ورئيس حكومة محلية يمارسان صلاحياتهما ضمن الإطار الدستوري للمملكة، مع الالتزام الكامل بتطابق القوانين المحلية مع التشريعات الوطنية. ويكرّس المشروع الحفاظ على الهوية الثقافية والموروث الحساني باعتباره جزءًا أصيلاً من الهوية المغربية الجامعة.

في المقابل، تحتفظ الدولة المركزية بصلاحياتها السيادية ضماناً لوحدة الوطن واستقراره، وتشمل الأمن والدفاع والعلاقات الخارجية ورموز السيادة. وستتولى القوات المسلحة الملكية حماية الحدود وصون الأمن الوطني، بينما تبقى السياسة الخارجية اختصاصًا حصريًا للدولة المركزية، ويظل العلم والنشيد الوطني ومؤسسات الدولة العليا رموزًا للوحدة الوطنية.

يرتكز مشروع الحكم الذاتي على دستور المملكة المغربية الذي يضمن الحقوق والحريات الأساسية لجميع المواطنين، ويكفل المساواة أمام القانون، مع اعتماد آليات رقابية تضمن الشفافية وحسن التدبير وتكرّس دولة الحق والقانون.

يمثل الحكم الذاتي وفق التصور المغربي مشروعًا سلمياً وتنموياً متكاملاً، يعكس إرادة ملكية ثابتة لإيجاد حل سياسي واقعي ودائم للنزاع الإقليمي، من خلال الحوار والتفاهم، بما ينسجم مع الشرعية الدولية ومعايير الحكم الذاتي المعتمدة عالميًا. كما يجسد رؤية دبلوماسية حكيمة تهدف إلى تعزيز الاستقرار الإقليمي والتعاون المغاربي والإفريقي، انطلاقًا من قناعة راسخة بأن التنمية والأمن لا ينفصلان عن روح التضامن والتكامل بين الشعوب.

ونحن نعمل جنبًا إلى جنب مع شركائنا في المجتمع الدولي، والشركاء الإقليميين والوطنيين، من أجل إنجاح هذا المشروع الذي نتمنى أن يكون نموذجًا يُسطر رؤية ملكية رشيدة، داعين إلى تعاون مثمر وبناء من جميع الأطراف.

مشروع الحكم الذاتي في الصحراء يعكس رؤية ملكية رشيدة تجمع بين قوة الدولة وحق السكان في إدارة شؤونهم، ويؤكد التزام المغرب بالاستقرار والتنمية والتضامن. ويشكل هذا النموذج مثالاً عمليًا على التسوية السلمية للنزاعات، ويبرز المغرب كفاعل مسؤول وموثوق في بناء مستقبل مزدهر لشمال إفريقيا والعالم.

Exit mobile version